• مقدمة: من القصف إلى الحصار – تحول في استراتيجية واشنطن
ما يثير التساؤل ليس فرض الحصار في حد ذاته، بل توقيته بالتزامن مع تمديد الهدنة المؤقتة والإعلان عن استئناف المفاوضات في العاصمة الباكستانية. فقد صرّح ترامب في تصريح له في 13 نيسان/أبريل بأن "أي سفينة إيرانية تقترب من نطاق الحصار الأميركي سيتم تدميرها فوراً" ، وفي الوقت نفسه أبدى تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران، قائلاً إن المحادثات "تسير على نحو جيد جداً".
فهل يمثل هذا التناقض الظاهري تخبطاً في الاستراتيجية الأمريكية، أم أنه يعكس تحولاً محسوباً نحو نموذج جديد من الضغط "فوق الصفر" يجمع بين القبضة العسكرية والقفاز الدبلوماسي؟ هذه الورقة التحليلية تسعى إلى استقراء الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراء الحصار البحري الأمريكي، متجاوزة القراءات السطحية التي تركز على "الضغط الاقتصادي" فقط، إلى أبعاد أوسع تشمل النماذج التاريخية (فنزويلا)، والرهانات الجيوسياسية (الصين وأوروبا)، والمناورات التكتيكية (الاستخبارات والاغتيالات)، والسيناريوهات المستقبلية (الحصار الجوي والإنزال البحري).
أولاً: "النموذج الفنزويلي" – إرهاصات استراتيجية أمريكية ممهدة
لفهم الأبعاد العميقة للحصار الحالي، لا بد من العودة إلى التجربة الأمريكية السابقة في فرض حصار بحري على فنزويلا الذي أعلنه ترامب في 17/ 12/ 2025م. تلك التجربة، التي استمرت لشهور وبلغت ذروتها في عملية "الحسم المطلق" في 3 يناير/كانون الثاني 2026، أفضت إلى:
1. شل كامل للاقتصاد الفنزويلي: توقف صادرات النفط، انهيار العملة، انقطاع الخدمات الأساسية، مع مصادرة ناقلات النفط الفنزويلية في البحر الكاريبي.
2. تصدع داخلي في منظومة الحكم: اشتداد الخلافات بين أجنحة النظام، واتهامات بالخيانة والتواطؤ، مع اختراق استخباراتي أميركي واسع.
3. استسلام سياسي تدريجي: إجراء الحكومة الفنزويلية تعديلات قانونية تماشياً مع الإملاءات الأمريكية، وإعادة هيكلة قطاع النفط لصالح شركات أمريكية.
4. ختام مأساوي: اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من داخل القصر الرئاسي في كاراكاس في 3 يناير/كانون الثاني 2026، ونقلهما جواً إلى الولايات المتحدة، حيث ظهر مكبلاً بالأصفاد على متن السفينة الحربية الأمريكية "يو إس إس إيو جيما".
5. صمت دولي غير مسبوق: غياب أي رد فعل دولي جاد، سواء من الأمم المتحدة أو منظمات حقوق الإنسان، مع وصف وزير الدفاع الفنزويلي للعملية بأنها "أسوأ عدوان على الإطلاق".
هذه النتيجة، التي وصفها ترامب في تصريحات لاحقة بأنها "نموذج ناجح للإخضاع بالحصار" ، دفعه إلى الإعلان صراحةً بأن "مصير إيران سيكون مشابهاً لمصير فنزويلا. رأيتم ما فعلناه مع فنزويلا، سيحدث الشيء نفسه معكم، لكن على مستوى أعلى" . وإذ يبدو أن الجيش الأمريكي قد شرع بالفعل في تنفيذ هذا السيناريو تدريجياً منذ ما بعد اتفاق الهدنة المؤقتة، فإن السؤال المحوري يظل: ما هي أهداف واشنطن من وراء هذا الحصار؟
ثانياً: الأهداف المتعلقة بالشأن الإيراني الداخلي
يتعلق بهذا الشق عدد من الأهداف التي تسعى واشنطن لفرضها على طهران من جهة، وانتزاعها منها من جهة أخرى، بعد أن فشلت في تحقيقها عسكرياً. وهذا ما أكده ترامب نفسه في تصريح قال فيه: "لقد أدركت أن الحصار البحري أهم من الحرب العسكرية نفسها".
1. انتزاع "ورقة هرمز" الاستراتيجية
تمثل السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي ونسبة أكبر من الغاز المسال والمواد الكيماوية، الهدف الأبرز لواشنطن. فبإحكام الطوق البحري، تسعى أمريكا إلى انتزاع هذه الورقة من يد طهران، ونقل مركز الثقل الاستراتيجي من "قدرة إيران على إغلاق المضيق" إلى "قدرة أمريكا على فتحه وحمايته". وقد صرّح ترامب في هذا السياق بأن "مضيق هرمز تحت الحصار حتى إشعار آخر"، وتجاوز الضغط مسألة ورقة مقابل ورقة.
2. الضغط الاقتصادي للدفع نحو الاستسلام السياسي
ليس الهدف من الحصار هو تجويع الشعب الإيراني بقدر ما هو خلق حالة من اليأس الاقتصادي تدفع القيادة في طهران إلى تقديم تنازلات سياسية مرضية لواشنطن على طاولات الحوار. فقد أكد ترامب في تصريحات متناقضة أن "لا تمديد للهدنة بدون اتفاق نهائي" ، مضيفاً أن الحصار سيستمر "حتى التوصل إلى اتفاق مع طهران، بما يشمل ملفها النووي".
3. الضغط الشعبي لإسقاط النظام
إلى جانب الضغط على القيادة، تستهدف واشنطن تفعيل "صمام الأمان الداخلي" في إيران. فالحصار يُضاعف من مستوى تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية للشعب الإيراني، مما قد يدفعه - في التقدير الأمريكي - إلى التحرك ضد النظام والمطالبة بإسقاطه. هذا السيناريو، وإن بدا طموحاً، إلا أنه سبق أن جُرّب في فنزويلا وأسفر عن نتائج جزئية على الأقل.
4. منع الإمدادات العسكرية والصناعية
تشكل الصين شريكاً تجارياً وعسكرياً مهماً لإيران. وتخشى واشنطن من أن تقوم بكين، عبر خطوط ملاحية تتعمد تجنب المراقبة الأمريكية، بتزويد طهران بمكونات عسكرية متطورة (رقائق، أجهزة استشعار، أنظمة توجيه) أو معدات صناعية تساعدها في تطوير برنامجها النووي. الحصار، في هذا السياق، هو إجراء استباقي لقطع طرق الإمداد عن طهران.
5. الخنق المالي وتجفيف الموارد
يأتي الحصار كجزء من استراتيجية أوسع لتجفيف منابع الدخل الإيراني، ليس فقط من النفط، بل أيضاً من الرسوم الجمركية والأنشطة التجارية الأخرى التي زعمت الإدارة الأمريكية بأنها تغذي الحرس الثوري. والهدف هو إضعاف قدرة طهران على الصمود والقتال، ومنعها من استئناف بناء وتطوير قدراتها العسكرية والدفاعية.
6. السيطرة على النفط الإيراني
في تصريحات سابقة لترامب، أبدى رغبة شديدة في "إدارة" النفط الإيراني بعد سقوط النظام. وكان قد صرح في 30/03/2026 بأنه يريد "الاستيلاء على النفط في إيران" وقد يسيطر على مركز التصدير في جزيرة خرج. الحصار الحالي يمكن اعتباره تمهيداً لهذه السيطرة على النفط الإيراني، حيث يتم الآن منع أي تصدير نفطي إيراني، والاستيلاء على ناقلات نفط إيرانية، في انتظار اليوم الذي ستعاد فيه تصدير النفط تحت إشراف وإدارة أمريكية حسب زعمه.
7. قطع خطوط الإمداد عن جبهات "محور المقاومة"
تعتقد أمريكا وإسرائيل أن طهران تواصل إمداد ساحات محور الجهاد والمقاومة في المنطقة (أنصار الله في اليمن، حزب الله في لبنان، فصائل المقاومة في العراق وسوريا) بالأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة. وبناءً على هذه الفرضية فإن الحصار البحري يهدف إلى:
· قطع الإمدادات القادمة لليمن عبر البحر الأحمر: لمنع تعزيز قدرات أنصار الله الصاروخية والبحرية.
· قطع الإمدادات المتجهة إلى حزب الله عبر البحر المتوسط: بالتعاون مع القوات البحرية لحلف الناتو.
· منع وصول أسلحة إلى جماعات في شرق أفريقيا يُشتبه في تمويلها إيرانياً (الصومال، إريتريا، السودان).
8. التموضع الاستخباراتي والتحضير للاغتيالات
يمثل الحصار فرصة ذهبية لتموضع البارجات وحاملات الطائرات الأمريكية في أقرب نقطة ممكنة من المياه والأراضي الإيرانية. هذا التموضع يتيح:
· الاستطلاع والرصد الدقيق للقيادة الإيرانية الجديدة (بعد الاغتيالات التي طالت قادة كبار)، والقيادات العسكرية والأمنية.
· تحديد الإحداثيات بدقة لتنفيذ عمليات اغتيال وضربات مباغتة (عبر طائرات بدون طيار أو صواريخ كروز) قبل استئناف الحرب.
· اختراق شبكات الاتصالات الإيرانية وجمع إشارات استخباراتية لا تُقدَّر بثمن، على غرار ما حدث مع مادورو حيث استغرقت خطط القبض عليه أشهراً من الإعداد الاستخباراتي .
9. دفع إيران لرفع يدها الأمنية عن هرمز
الرسالة الأمريكية للحرس الثوري واضحة: إما أن تنسحبوا من تأمين المضيق، أو سنقوم نحن بتأمينه بقوة. الهدف هو إجبار طهران على رفع اليد الأمنية عن هرمز، مما يسمح للبوارج والسفن العسكرية الأمريكية بالعبور الآمن لتعزيز قواعدها في الخليج. وقد أعلن ترامب أنه "إذا اقتربت أي من سفن الهجوم السريع الإيرانية من الحصار الذي نفرضه فسيتم القضاء عليها فوراً" .
10. التمهيد لهجوم بحري وبري واسع
السيناريو الأكثر خطورة، والمطروح ضمن "الخيارات كافة" على طاولة البنتاغون، هو الاستمرار في الحصار المتصاعد تدريجياً تمهيداً لهجوم أمريكي بحري شامل وإنزال برمائي. الأهداف المعلنة في هذا السيناريو تتضمن:
· احتلال الجزر الإيرانية الاستراتيجية في الخليج مثل: (خرج، أبو موسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى).
· السيطرة على شواطئ إيران المطلة على الخليج وصولاً إلى مضيق هرمز.
· فرض منطقة عازلة بحرية تمنع إيران من الاقتراب من الممرات المائية الدولية.
11. الضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ قرارات حاسمة
إلى جانب الضغط المباشر على طهران، يسعى الحصار إلى حشد المجتمع الدولي ودفعه نحو اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية ضد إيران تشمل الأهداف التالية:
· إصدار قرارات دولية من مجلس الأمن تحت الفصل السابع تجيز استخدام القوة ضد إيران.
· تشكيل تحالف عسكري بحري دولي (على غرار تحالف "حارس الازدهار") لمشاركة عبء الحصار وتوزيع المخاطر.
· عزل إيران دبلوماسياً ودفع الدول الكبرى (خصوصاً الصين وروسيا) إلى التخلي عنها أو على الأقل تخفيف دعمها لها.
12. البروباغندا الإعلامية والتعويض عن الإخفاقات العسكرية
لا يمكن تجاهل البعد الدعائي والإعلامي للحصار. ففي وقت تعاني فيه الإدارة الأمريكية من انتقادات داخلية حادة بشروط الاشتباك وإدارة الحرب، وتراجع شعبية ترامب وإدارته إلى 30% في أخطر تدنٍ لها— يأتي الحصار ليكون ساحة انتصارات مزعومة تصرف الأنظار عن الإخفاقات في ساحات القتال الأخرى. فالتصريحات المنتصرة لترامب ("لا توجد سفينة يمكنها الدخول أو الخروج دون موافقة البحرية الأمريكية"، "أسطول إيران في قاع البحر" ) تهدف إلى استعادة الروح المعنوية للجمهور الأمريكي والحلفاء.
ثالثاً: الأهداف الإقليمية والدولية
إلى جانب الأهداف المرتبطة بطهران مباشرة، هناك أهداف إقليمية ودولية أوسع تخدم استراتيجية واشنطن الكبرى في الغرب الآسيوي والعالم.
1. قطع العلاقة التجارية بين الصين وإيران
الصين هي أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما ترتبط مع طهران بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة (ممر واحد - حزام واحد، اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة). الحصار البحري يهدف إلى قطع هذا الشريان التجاري، ودفع بكين إما إلى مواجهة مباشرة مع البحرية الأمريكية في الخليج (وهو أمر مستبعد)، أو إلى التخلي عن إيران كحليف استراتيجي.
2. تكملة الحصار الاقتصادي على الصين الذي بدأ من فنزويلا
في إطار الاستراتيجية الأمريكية لإضعاف الصين اقتصادياً، يمثل إغلاق هرمز حلقة جديدة في سلسلة "حصار الصين". فبعد أن نجحت واشنطن في قطع إمدادات النفط والمواد الخام القادمة من فنزويلا (عبر الضغط على نظام مادورو واعتقاله)، تسعى الآن إلى قطع الإمدادات القادمة من إيران (عبر الحصار البحري). الهدف هو حرمان المصانع الصينية من الطاقة والمواد الخام بأسعار معقولة، ورفع كلفة الإنتاج، وإضعاف القدرة التنافسية للصادرات الصينية.
3. "العقاب الجماعي" لأوروبا وحلف الناتو
الحصار لا يضرب إيران والصين فقط، بل يمتد ليشمل الدول الأوروبية، وخاصة أعضاء حلف الناتو. فبعد أن رفضت هذه الدول وفي مقدمتها (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) الاستجابة لمطالب ترامب بالانخراط المباشر في الحرب على إيران أو دعم الحصار بقواتها، جاء دور العقاب. إذ تتحمل الدول الأوروبية الآن أجزاءً من كلفة الحرب عبر:
· ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الغاز الطبيعي المسال (يمر 29% من تجارته عبر هرمز).
· ارتفاع أسعار الأسمدة والمواد الغذائية (يمر 30-46% من الأسمدة البحرية العالمية عبر المضيق).
· الاضطرار إلى المشاركة في تأمين خطوط الملاحة أو تحمل تبعات عدم المشاركة.
4. إجبار الحلفاء على الاختيار بين واشنطن وطهران
بفرض الحصار، تضع واشنطن حلفاءها التقليديين في الخليج وآسيا وأوروبا أمام خيار صعب: إما الانحياز إلى أمريكا والمشاركة في الحصار (ولو سياسياً)، أو تحمل تبعات الحرب الاقتصادية (ارتفاع الأسعار، نقص السلع). هذا يخدم الهدف الأمريكي في إعادة هيكلة التحالفات على أساس "معنا أو ضدنا".
رابعاً: ردود الفعل والسيناريوهات المستقبلية
أ. الرد الإيراني: تصعيد محكوم
لم تقف طهران مكتوفة الأيدي أمام هذا الحصار. فقد أعادت إيران تشديد القيود على مضيق هرمز بعد أقل من يوم على فتح محدود للممر، متهمة الولايات المتحدة بمواصلة الحصار على موانئها. وأعلن الحرس الثوري أن "مضيق هرمز سيظل مغلقاً حتى رفع الحصار الأمريكي"، محذراً من أن "أي سفينة تقترب من المضيق ستُعتبر هدفاً مشروعاً". وقد أطلقت زوارق عسكرية إيرانية النار على ناقلات في الممر الحيوي، وسيطر على أخرى.
في الأثناء، صرّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قائلاً: "إما إن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة". وأضاف أن "السيطرة على مضيق هرمز" والسعي للحصول على تعويض عن الخسائر الناجمة عن الغارات الجوية الأمريكية - الإسرائيلية يشكلان "حقاً للشعب الإيراني" .
ب. سيناريو "الحصار الجوي"
إذا استمر الحال كما هو عليه، فمن المتوقع أن تنتقل واشنطن إلى مرحلة أكثر تصعيداً، وهي فرض حصار جوي على إيران. هذا السيناريو قد يتضمن:
· إعلان منطقة حظر طيران فوق الأجواء الإيرانية.
· منع الطائرات الإيرانية (المدنية والعسكرية) من التحليق فوق المياه الدولية.
· اعتراض الطائرات الروسية أو الصينية المشتبه في نقلها مواد عسكرية إلى طهران.
ج. السيناريو النهائي: حرب استنزاف أم انهيار؟
أمام هذا المشهد المتصاعد، يبقى السؤال: هل تستطيع إيران الصمود في وجه هذا الحصار الشامل وإفشاله وفرض واقعا مغايرا لما تريده واشنطن، أم أنها ستتأثر وتقبل بشروط الإستسلام أو بعضها؟
تشير النماذج السابقة والمواقف المعلنة والتحضيرات والاستعدادات إلى سيناريوهين مختلفين:
1. عوامل الصمود الإيراني:
· خبرة سابقة في مواجهة العقوبات والحصار (أكثر من 4 عقود).
· بنية تحتية محلية نسبياً (صناعة عسكرية، زراعة، أدوية).
· حلفاء إقليميون (محور المقاومة) يمكنهم فتح جبهات انتقامية.
. تماسك سياسي وشعبي ووطني غير مسبوق يمنحها قوة الإمساك بزمام السيطرة وتغيير المعادلات.
2. عوامل الانهيار الإيراني:
· تدهور اقتصادي حاد مسبق (تضخم، بطالة، فساد).
· احتجاجات شعبية متكررة (من 2018، 2019، 2022، 2024).
· عزل دولي متزايد، حتى مع الصين وروسيا.
· اغتيالات متتالية للقادة (سياسيين، نوويين، عسكريين، أمنيين).
التقدير الأرجح، وفقاً لمحللين استراتيجيين، هو أن إيران ستصمد، لكنها لن تستطيع الصمود لسنوات، خاصة إذا ما تحول الحصار إلى "خنق كامل" وفرضت عقوبات ثانوية على كل من يتعامل معها. وقد صرّح ترامب بأن "الوقت ليس في صالح إيران" ، وأن "أي اتفاق لن يتم إلا إذا كان مناسباً للولايات المتحدة وحلفائها والعالم"، وهو ما قد يدفعها إلى تبني خيارات أخرى ذات جدوى وفاعلية لكسر الحصار ورفع العقوبات.
• الخلاصة: من "تبادل الضربات" إلى "الإخضاع بالحصار"
يمثل فرض الحصار البحري على إيران تحولاً جذرياً في استراتيجية واشنطن، من "محاولة هزيمة إيران عسكرياً" (والتي فشلت في تحقيق أهدافها الكبرى)، إلى "تفكيك إيران من الداخل بحصار خانق وطويل الأمد"، مع الاستفادة من أخطاء الماضي في فنزويلا.
الأبعاد التي استقرأناها تكشف أن الحصار ليس مجرد أداة ضغط تكتيكية، بل هو استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد تهدف إلى:
· عسكرياً: انتزاع الاعتراف الإيراني بالتفوق العسكري والأمني الأمريكي في الخليج، والتمهيد لاحتلال الجزر الاستراتيجية.
· اقتصادياً: السيطرة على النفط والغاز الإيراني، وتجفيف موارد النظام، وقطع الإمدادات عن الصين وأوروبا.
· سياسياً: دفع طهران إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعف، وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية.
· جيوسياسياً: قطع العلاقة بين إيران وحلفائها (خصوصاً الصين)، وتكريس الهيمنة الأمريكية على ممرات الطاقة العالمية.
المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن واشنطن تفعل ذلك بينما تعلن عن "تمديد الهدنة" و"استئناف المفاوضات"، وكأنها تقول لطهران: "إما أن تستسلموا على طاولة الحوار، أو سنخنقكم حتى الموت". وهذا هو جوهر استراتيجية "العصا والجزرة" في أقصى تجلياتها، حيث لم يعد هناك مجال للحياد أو التوسط، بل فقط الاختيار بين الاستسلام المفاوض أو الانهيار تحت الحصار.
• المصادر: الميادين، الجزيرة، وكالة برناما، باكستان أوبزيرفر، داون، وكالة يونهاب، وكالة أنباء الصين (شينخوا)، وكالة RT، وكالة الأنباء الوطنية (نابا)، قناة النشرة.
بقلم: د. فاضل الشرقي عضو المكتب السياسي لأنصار الله