بعد فيتنام، خرجت أمريكا منهكة، لكنها ظلّت عملاقًا جُرح كبرياؤه فحسب. ثم بعد أفغانستان والعراق، ظن العالم أن العملاق يعاني من تمدد مفرط، لكنه قادر على استعادة توازنه. أما اليوم، فالأمر مختلف جذريًا. ليست مجرّد حرب أوكرانيا. إنها حرب تُخاض في مياه ساخنة وممرات ضيقة: مضيق هرمز، قواعد الظفرة والعديد، حاملات طائرات تتحوّل فجأة إلى أهداف ثابتة.
لكي نستوعب عمق هذا التحول، يكفي أن نتذكّر: في فيتنام، لم يستطع العدو إسقاط حاملات الطائرات. في أفغانستان، ظلّت الطائرات الشبحية تحلق بأمان. لكن اليوم، يسقط عدوك طائرتك الشبحية الأكثر تطوّرًا، ويدمّر بطاريات "باتريوت" التي تفاخرت بأنها منيعة، ويشلّ قواعدك الجوية قبل أن تقلع طائرة واحدة، ويفرض سيطرته على أهم ممر مائي بينما يعجز أسطولك عن إعادة فتحه. هذه ليست مجرّد هزيمة عابرة، بل تحطيم للمرايا التي ظلّت تعكس لعقود صورة الإمبراطورية التي لا تُمس.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: لماذا يحدث هذا اليوم دون أن يحدث بالأمس؟ الجواب أن أمريكا تملك أسلحة لا تُحصى، لكنها لا تملك سردية مقنعة تبرّر وجودها في غرب آسيا، ولا صبرًا على الألم، ولا استعدادًا لدفع ثمن النصر حين يصبح باهظًا. بالمقابل، تملك إيران ما هو أثمن: قوة المعنى. معنى ينبثق من سردية تاريخية ودينية ووجودية، من فكرة الصمود والمقاومة والاستشهاد، من الإيمان بأن المعاناة ليست هزيمة بل دليل إيمان. أمريكا تحارب بالمال، وإيران تحارب بالمعنى. وعندما يصطدم المال بالمعنى في ممرات الخليج الضيقة، يتلاشى المال، ويُكتَب المعنى بالدم، فلا يُمحى.
وهكذا، تواجه أمريكا اليوم خطرًا وجوديًا جديدًا: ليس أن تخسر بسبب نقص في عدد الجنود أو الأسلحة، بل لأن خصمها صار ندًا قادرًا على إلحاق أذى نوعي بها يعادل ما تلحقه هي به. بل الأعمق من هذا الخطر التكافؤي حقيقة أخرى: قد لا يملك هذا الخصم ثروات أمريكا، لكنه يملك معنى يقاوم، معنى لا تقهره الصواريخ ولا تشتريه أطنان الذهب. معنى يتحوّل في أتون الحرب إلى أسلحة لا تراها الرادارات، وفي قلب الحصار إلى طاقة لا تنضب. إنه ليس مجرّد صاروخ فرط صوتي، بل روح فرط صوتية، تسبق كل قنبلة قبل أن تسقط، وتظلّ بعد انتهاء كل جولة من الحرب.
لعل ملحمة جلجامش هي الإطار الرمزي الأكثر دقّة لفهم ما يحدث. جلجامش، الملك العملاق، ظن لعصور أن لا ندّ له في الأرض. كان يبني الأسوار ويقطع الأشجار ويفرض إرادته على الجميع. لكن الآلهة خلقت له "إنكيدو". لم يكن إنكيدو أقوى منه، لكنه كان مختلفًا: قوته وجودية لا استعراضية، لا يبني أسوارًا بل يكشف هشاشتها، يضرب حيث لا يتوقّع العملاق، ويمتلك ما يفتقده جلجامش: المعنى.
وكما صنع إنكيدو بجلجامش، تفعل إيران اليوم بأمريكا. قد لا تكون إيران أقوى من أمريكا في الميزان المادي، لكنها خصم من نوع آخر. لا تملك حاملات طائرات، لكنها قادرة على تحويل مضيق هرمز إلى كمين استراتيجي. لا تملك طائرات شبحية، لكنها تمتلك مسيّرات وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت. والأعمق: لا تملك ثروات أمريكا، لكنها تملك معنى يقاوم فيصمد.
قبل إنكيدو، كان جلجامش يرى نفسه في مرايا عديدة: الأسوار، الأعداء المهزومين، المدن الخاضعة. كلها تعكس له صورة العملاق الذي لا يُقهر. لكن عندما اصطدم بإنكيدو، تحطمت كل تلك المرايا. وإيران اليوم لا تهاجم قواعد أمريكا فقط، بل تحطّم مرايا صورتها التي ظلّت لعقود تعكس وهمًا لا يموت. أن ترى أمريكا طائرتها الشبحية تسقط بصاروخ لا يتجاوز ثمنه واحدًا من الألف من ثمنها، وقواعدها تشلّ قبل أن تطلق صاروخًا واحدًا، هذا ليس مجرّد فشل عسكري، بل انهيار للمعادلة الاقتصادية للحرب، وللمصداقية، وللصورة التي كانت تحمي أمريكا أكثر مما تحميها حاملات طائراتها.
ومن هنا، فعندما تُقصف القواعد الأمريكية في قطر والإمارات والبحرين ولا تردّ واشنطن بفعالية، وعندما تُستهدف الرياض وأبوظبي بصواريخ إيرانية وسط صمت باتريوتي مريب، تصل رسالة قاسية: "أنتم وحدكم الآن". الخسائر المادية تُعوّض، لكن المصداقية المفقودة لا تعود.
وهكذا يتغيّر المشهد تمامًا. الحلفاء لا يفرّون فقط، بل يعيدون حساباتهم؛ الأعداء لا يتجرّأون فقط، بل يرسمون خرائط جديدة. والمرايا التي كانت تعكس إمبراطورية بلا حدود، تتساقط شظاياها على الأرض، وكل شظية لا تعكس صورة، بل تصنع جرحًا.
فماذا بعد هذا المشهد؟
قد نشهد تحالفات أمريكا الإقليمية تتساقط كأوراق الخريف، وأنظمة كانت تغطّيها بعباءتها تركض نحو التوقيع مع الصين وروسيا. لا عملاق مهيمن بعد الآن، بل نظام عالمي متعدّد الأقطاب فوضوي، لا يقوم ردعه على التفوق بل على يقين مشترك بالقدرة على الإيذاء المتبادل. يبدو أن عصر هيمنة حاملات الطائرات يقترب من نهايته، مخلفًا بديلاً عنه عصرًا جديدًا من الحروب. وسينتهي عصر "العملاق الذي لا يُهزم" ليس لأن أحدًا هزمه، بل لأن العملاق نفسه صار بلا معنى. عصر آخر يبدأ، حيث المعنى وحده قد يكون أخطر من أي قنبلة، لأنه القنبلة التي لا تنفجر إلا في الروح. قنبلة انشطارية لا تتوقف.
وعلى أرض المرايا المكسورة هذه، العملاق لم يمت، لكنه تقلّص حتى صار بحجم ظلّه. خسرت أمريكا في هذه المواجهة ما هو أثمن من حاملات طائراتها: خسرت فكرة "الاستثناء". تلك الفكرة التي كانت شعاعًا لا يُخترق في مراياها. وعندما تسقط تلك الفكرة، لا ينهار جيش، بل ينهار عالم قائم عليها.
وهكذا يقف جلجامش فوق أسوار أوروك، ليس حزينًا لأنه هُزم، بل لأنه اكتشف أنه لم يكن خالدًا على الإطلاق. إنكيدو لم يأت ليقتله، بل ليريه حقيقة ظلّ يخفيها عقود من الغرور. العملاق لم يعد عملاقًا، ليس لأنه سقط صريعًا، بل لأنه بقي واقفًا.. واكتشف فجأة أن لا أحد يخشاه.
أما السؤال الذي لم تعد تجيب عنه الشظايا، بل تركته عاريًا في مهب الريح، فهو نفسه الذي بدأت به الأساطير: ماذا يفعل العملاق عندما يدرك أنه كان يعكس ظلًا، وأن الظل لا يخيف أحدًا إلا في الليل.. وقد طلع الفجر؟
بقلم: نوال عباسي _ عضو أمانة منتدى سيف القدس في تونس