ما كان يُسوَّق منذ عام 2020 على أنه تطبيع اقتصادي في إطار "اتفاقيات أبراهام"، يبدو اليوم وكأنه غطاء لتقارب أمني يتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية في المنطقة. فحين يصل التعاون إلى مستوى الأنظمة العسكرية الحساسة، فإن السؤال لم يعد "هل هناك شراكة؟" بل "من يحدد أولويات الأمن في هذه الشراكة؟".
التقرير الذي نشره موقع إكسيوس عن الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد ، بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمر الجيش بإرسال بطارية قبة حديدية مع صواريخ اعتراضية وعشرات من مشغليها من الجيش الإسرائيلي إلى الإمارات خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذلك بعد اتصال هاتفي مع القيادة الإماراتية. يُعد اتجاها عاما نحو تعميق هذا التعاون. فهذه المنظومة تُعد أحد أبرز رموز لما يسمى بالتفوق العسكري الإسرائيلي، واستخدامها خارج الاراضي المحتلة يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الجانب التقني.
الأمر لا يتعلق فقط بالتنسيق، بل بطبيعة هذا التنسيق. فإدخال منظومات عسكرية متقدمة، يعني عمليا نقل جزء من القرار الأمني إلى شراكة خارجية، وهو ما يطرح تساؤلات صريحة حول مفهوم السيادة. هل نحن أمام تعاون أمني ثنائي، أم أمام إعادة توزيع غير معلنة لمفاتيح الأمن؟
الأكثر إثارة للجدل هو التوقيت. ففي لحظة إقليمية مشحونة، حيث تتصاعد التوترات في المنطقة، يبدو أن هذا التقارب لا يهدف فقط إلى الدفاع، بل إلى إعادة رسم موازين القوى. وهنا، تتحول الأنظمة الدفاعية العسكرية من أدوات حماية إلى رسائل سياسية موجهة، تحمل في طياتها احتمالات تصعيد أكثر مما تقدم ضمانات تهدئة.
لكن هذا المسار لا يمر دون كلفة. داخليا، يفتح الباب أمام أسئلة محرجة: إلى أي مدى يمكن قبول وجود تعاون عسكري عميق مع "إسرائيل" في بيئة لا تزال تعتبر القضية الفلسطينية مسألة مركزية؟ وأين يقف الرأي العام من هذه التحولات التي تتم بوتيرة أسرع من قدرته على استيعابها؟
أما على الجانب الإسرائيلي، فإن تصدير أدوات التفوق العسكري يطرح بدوره إشكالية: هل تتحول التكنولوجيا العسكرية إلى أداة نفوذ سياسي؟ وهل يُعاد تعريف التحالفات وفق منطق "الأمن مقابل النفوذ"؟
الواقع أن ما يجري يتجاوز مجرد تعاون ثنائي. نحن أمام نموذج جديد في المنطقة، حيث تُعاد صياغة العلاقات على أساس أمني بحت، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات السياسية والتاريخية. وفي هذا النموذج، تصبح الشفافية ضحية أولى، بينما تُتخذ القرارات المصيرية بعيدا عن النقاش العام.
في النهاية، لا يمكن إنكارالاتجاه العام، حيث التحالفات تتعمق، وخطوط الحمراء تتلاشى، ومفاهيم مثل السيادة والاستقلال تُعاد صياغتها بهدوء.
ويبقى السؤال الأهم:
هل ما نشهده هو شراكة استراتيجية متكافئة، أم بداية لمرحلة تُدار فيها أمنيات الدول من خارج حدودها؟
بقلم: حيدر زيبرم