ومن بين أكثر الشخصيات التي أتقنت هذا الأسلوب يبرز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حوّل السياسة إلى حدث يومي متجدد، تتداخل فيه التغريدة مع القرار، والتصريح مع صناعة العنوان العالمي.
منذ عودته إلى المشهد السياسي الأمريكي، بات اسم ترامب حاضرا في كل دورة خبرية تقريبا. تصريح جديد، منشور مثير، هجوم إعلامي، أو حتى قضية قضائية، كلها تتحول خلال ساعات إلى مادة تتصدر الإعلام العالمي والعربي. ومع كل موجة جديدة، يتراجع الاهتمام بالقضايا الأعمق والأكثر تعقيدا التي تعيد تشكيل النظام الدولي بصمت.
تشير الإحصاءات إلى أن منصة Truth Social تحولت إلى غرفة عمليات إعلامية دائمة لترامب، حيث نشر مئات المنشورات خلال فترات قصيرة، بمعدل مرتفع يكاد يضمن بقاءه في صدارة المشهد بشكل يومي. هذه المنشورات لا تعمل فقط كرسائل سياسية، بل كآليات لصناعة موجات متتالية من الجدل والاستقطاب، تجعل الإعلام والجمهور في حالة استجابة مستمرة.
اللافت أن هذه الظاهرة لم تعد محل انتقاد من خصوم ترامب فقط، بل حتى من شخصيات كانت قريبة منه، مثل Steve Bannon، الذي أشار إلى أن هذا التدفق الإعلامي الهائل قد يتحول إلى أداة إلهاء عن القضايا الجوهرية التي تتشكل في الخلفية.
وفي الواقع، بينما ينشغل العالم بالضجيج السياسي، تتحرك تحولات استراتيجية كبرى يمكن وصفها بأنها "أجندة ما بعد الضجيج"، وهي تحولات لا ترتبط بشخص واحد بقدر ما ترتبط بإعادة تشكيل بنية العالم اقتصاديًا وسياسيًا وتقنيًا.
أولى هذه التحولات تتعلق بالسيادة الغذائية. فالأزمات الدولية، من الحروب إلى اضطرابات سلاسل التوريد، كشفت هشاشة النظام الغذائي العالمي. لم يعد الغذاء مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة استراتيجية تستخدمها الدول الكبرى لتعزيز النفوذ وحماية الأمن القومي. الدول التي تملك القدرة على التحكم بالإنتاج الزراعي والطاقة والنقل ستكون الأكثر تأثيرًا في العقود القادمة.
أما التحول الثاني فيتعلق بإعادة ضبط النظام المالي العالمي. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها أزمات الديون والتضخم والتنافس على العملات والنفوذ الاقتصادي. هناك حديث متزايد عن أن النظام المالي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يواجه تحديات عميقة، سواء بسبب صعود قوى اقتصادية جديدة أو بسبب التغيرات المرتبطة بالتكنولوجيا المالية والاقتصاد الرقمي.
وفي قلب هذه التحولات تظهر الرقمنة الشاملة كأحد أهم مشاريع المستقبل. فالعالم يتجه بسرعة نحو أنظمة رقمية متكاملة تشمل المال، والتعليم، والإدارة، وحتى الهوية الشخصية. هذا التحول يحمل فرصا هائلة للتطوير، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة حساسة تتعلق بالخصوصية والسيطرة وإدارة البيانات. فكلما أصبحت الحياة أكثر رقمية، أصبحت القدرة على التحكم بالمعلومات أكثر تأثيرا من أي وقت مضى.
أما الجانب الأكثر هدوءا وخطورة، فهو ما يمكن تسميته "النهب الصامت عبر تصدير التضخم". فعندما ترتفع الأسعار عالميا وتزداد طباعة العملات وتتوسع الديون، تتحمل الشعوب تدريجيا كلفة الأزمات الاقتصادية، بينما تعيد القوى الكبرى ترتيب مواقعها المالية والاستراتيجية. التضخم هنا لا يبدو كحدث سياسي مباشر، لكنه يتحول إلى وسيلة غير مرئية لإعادة توزيع الثروة والنفوذ على مستوى العالم.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا قال ترامب اليوم؟
بل: ما الذي يحدث بينما ينشغل العالم بما يقوله؟
فالضجيج الإعلامي، مهما كان صاخبا، لا يلغي حقيقة أن العالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتغير فيها موازين القوة، وتُعاد كتابة قواعد الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. وربما تكون أخطر التحولات هي تلك التي تحدث بصمت، بعيدا عن العناوين اليومية التي تستهلك الانتباه ثم تختفي سريعا.
بقلم: حيدر زيبرم