مشهد غير معتاد ضمن احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، تحت عنوان “إعادة التكريس 250” (Rededicate 250).
في الظاهر: احتفال وطني.لكن في العمق: هل هو مجرد طقس احتفالي… أم مؤشر على تحولات أعمق في الهوية الأمريكية؟
الصهيونية المسيحية
الحدث يعكس صعوداً حقيقياً للصهيونية المسيحية والعناصر الدينية المحافظة في أمريكا الترامبية، كان هناك 19 متحدثاً دينياً:
منهم 18 مسيحياً (غالبيتهم إنجيليون محافظون) وحاخام واحد فقط هو مئير سولوفيتشيك.
هذا التوزيع فتح باباً لنقاش أوسع حول حضور تيار الصهيونية المسيحية داخل المشهد السياسي والديني الأمريكي.
الصهيونية المسيحية تيار إنجيلي واسع يرى أن:
قيام دولة "إسرائيل" عام 1948 يرتبط بنبوءة دينية، ويدعمونها بقوة لأسباب توراتية.
الأحداث الجارية في الشرق الأوسط جزء من “نهاية الأزمنة”
عودة المسيح الثانية مرتبطة بتسلسل توراتي محدد
هذا التيار موجود منذ عقود، وله تأثير تاريخي على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل، لكن نفوذ هذا التيار تصاعد بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ترامب.
في الولاية الأولى، دفعت الصهيونية المسيحية ترامب نحو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتوقيع ما يسم اتفاقيات إبراهيم.
وفي ولاية ترامب الثانية، يمتلك تيار الصهيونية المسيحية حضور رسمي واضح داخل الإدارة الأمريكية.
السفير الأمريكي في "إسرائيل" مايك هوكابي، وهو إنجيلي صهيوني بارز.
بيت هيغسيث (وزير الدفاع) يصف نفسه بأنه “مسيحي يدعم "إسرائيل" بقوة”، وله تصريحات تاريخية تربط الصهيونية بالحضارة الغربية.
رئيس مجلس النواب مايك جونسون، هو واحد من أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية المرتبطة بالصهيونية المسيحية.
دعمه لإسرائيل ديني أساساً أكثر منه سياسياً بحتاً، ويستند إلى تفسيرات توراتية إنجيلية.
رئيس أم “مختار إلهي”؟
ترامب نشأ في عائلة مشيخية (Presbyterian)، وكان يحضر كنيسة First Presbyterian Church في كوينز، نيويورك.
لم يكن معروفاً بتدينه الشديد شخصياً قبل السياسة، لكنه يصف نفسه الآن بأنه مسيحي غير طائفي.
رغم كون ترامب براغماتي أكثر منه متديناً شخصياً، لكن منذ عودته إلى البيت الأبيض، عزز حضور الدين في المجال السياسي عبر خطوات بارزة:
إنشاء مكتب البيت الأبيض للإيمان: في فبراير 2025، برئاسة باولا وايت-كين (مستشارة روحية لترامب).
خطاب “مختار من الله”: باولا وايت وغراهام يستخدمان لغة توراتية (داود، قورش).
اعتبر بعضهم نجاة ترامب من الاغتيال 2024 اعتبرت “تدخلاً إلهياً”.
وداخل بعض الأوساط الإنجيلية المحافظة، يُنظر إلى ترامب بوصفه شخصية ذات “دور استثنائي”.
شخصيات مثل باولا وايت-كين وفرانكلين غراهام استخدمت لغة دينية تصفه بأنه “مختار من الله”، مع مقارنات بشخصيات توراتية مثل الملك داود وكورش الفارسي.
وبعد محاولة اغتياله في 2024، اعتبر بعض مؤيديه أن نجاته “تدخل إلهي”.
بين الدين والسياسة
ترامب لا ينفي هذه الصورة بل يستفيد منها، وهناك تصريحات تحدث فيها عن كونه “مختاراً” أو “محفوظاً من الله”.
في أغسطس 2019، أثناء حديثه عن الحرب التجارية مع الصين، قال ترامب وهو ينظر إلى السماء:
(كان يجب على شخص ما أن يفعلها. أنا المختار).
بعد محاولة الاغتيال في بتلر (يوليو 2024)، كرر ترامب عدة مرات:
(أعتقد أن حياتي أُنقذت ذلك اليوم لسبب مهم جداً. أنقذني الله لأعيد أميركا عظيمة مرة أخرى)، قالها في خطاب التنصيب 2025 وخطابات أخرى. 
في 2025، نشر ترامب ميما يقول فيه (هو في مهمة من الله ولا شيء يمكن أن يوقف ما سيأتي).
في مقابلات حديثة (2026)، قال إنه “يؤمن بالله” وأن علاقته بالدين تعمقت بعد محاولتي اغتيال في 2024، معتبراً نجاته “تدخلاً إلهياً”.
نشر مؤخرا صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره في هيئة المسيح.
الدعم الانتخابي والواقع
ترامب استطاع كسب دعم قوي من الإنجيليين البيض، وهم يشكلون حوالي 20-25% من الناخبين.
وبحسب استطلاعات متعددة، فهم يدعمون ترامب بنسب عالية (70-80% في الانتخابات الأخيرة، موافقة حوالي 64-72% في استطلاعات 2025). 
نسبة الموافقة على أدائه في 2026: تتراوح بين 64-72% (انخفاض طفيف من بداية الولاية الثانية).
ترامب نجح في بناء تحالف قوي مع التيار الإنجيلي المحافظ، ويستخدم خطاباً دينياً مكثفاً في ولايته الثانية لتعزيز الهوية الثقافية المحافظة.
لكن في المقابل، هناك نقاش متصاعد حول حدود حضور الدين في المجال العام، واتجاهات ثقافية ترى أن الهوية الوطنية نفسها قد تُعاد صياغتها بشكل أكثر ارتباطاً بالصهيونية المسيحية.
نفوذ أم تحالف؟
القضية لم تعد مجرد حدث صلاة في واشنطن، ولا خطاب سياسي لترامب.
من الواضح أن تيار الصهيونية المسيحية له حضور رسمي قوي في الإدارة، ويؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن تلك المعطيات تفتح سؤال أوسع:
هل يستخدم ترامب الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية؟ أم أنه يخضع فعليا لسطوة تيار الصهيونية المسيحية؟
بقلم: وائل الغول