بينما يترقب الملايين انطلاق "كأس العالم 2026"، تعيش الإدارة الأمريكية حالة من التوجس الوجودي، إذ انقلب "الزمن" من أداة استراتيجية أرادها ترامب لحسم معاركه، إلى لغم موقوت يهدد بسقوط أوراق التوت عن استقرار اقتصاد بلاده.
لم يكن في حسبان أدهى مستشاري البيت الأبيض أن تتحول "الضربة العسكرية" التي توهموها خاطفةً، إلى ثقب أسود يبتلع قدرة واشنطن على التحكم في الإيقاع الزمني للأحداث. فوفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية، وبشهادة "فاتح بيرول"، نحن إزاء ذروة استثنائية للطلب النفطي تتقاطع مع عجز هيكلي في الإمدادات، مما يضع الاقتصاد العالمي، في مهبّ "المنطقة الحمراء"، التي تنذر شهور الصيف فيها بانهيار بنيوي لا قِبل للأسواق العالمية باحتماله.
وعلى وقع التحذيرات الصادرة عن "رابيدان إنرجي غروب"، يتبدى لنا مشهد تراجيديّ؛ إذ يغدو استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى أغسطس، بمثابة إعلان صريح عن دخول الاقتصاد الدولي في ركود شبحي يعيد إلى الأذهان صدمات عام 2008، بل يفاقمها بمرض عضال هو "التضخم المتزامن" الذي يستنزف شرايين الاقتصاد الحديث. إننا أمام تحول جذريّ في الأزمة، انتقلت فيه من طابع "الذعر النفسي للأسواق" إلى واقع "النقص الماديّ الملموس"، حيث أعلنت 80 دولة حالة الطوارئ، ملوحة بشبح نفط قد يلامس سقف الـ 180 دولاراً، وهو رقم كفيل بقلب الموازين الدولية رأساً على عقب.
كان ترامب يقرأ في كتابه السياسي أن الحرب نزهة لا تتجاوز الأسبوعين، تُسكت الصدى الإيراني وتُعيد سيناريو "السطو على النفط" الذي انتهجه في فنزويلا؛ ليوفر التمويل اللازم لبريق استضافة كأس العالم. لكن الرجل أغفل حقيقة استراتيجيةً غاب عن وعيه إدراكها، وهي أن الحروب لا تقاس بمدى القوة النارية، بل بمدى القدرة على استشراف النهايات، ما جعل ترامب سجيناً يغرق في مستنقع من الاستنزاف، بينما الزمن يرفض أن يمنحه الفرصة التي يريدها للهروب إلى الأمام.
إن ترامب، الذي أراد استثمار التظاهرة الرياضية كمنصة للعظمة والسيادة، يجد اليوم أنّ الألغام الزمنية التي زرعها في مضائق العالم، قد انفجرت في وجه طموحاته. إنها أزمة عجز سياسيّ بامتياز؛ حيث يواجه الرئيس الأمريكي صدمة الحقيقة التي تقول: إن الغطرسةَ العسكريةَ لا يمكنها أن تشتري استقراراً في سوق محكوم بقوانين القوة والردع، وإن النهايات التي يكتبها "الآخرون" غالباً ما تكون أشد وطأة من كل الحسابات التي رسمتها دوائر القرار في واشنطن.
لقد صدق الرجل الذي اغتاله ترامب، الشهيد الحاج قاسم سليماني بمقولته العظيمة: "أنتم مَن يبدأ الحرب، لکن نحن من سيرسم نهايتها".
بقلم: احسان برسا