ومع بدء جولة المفاوضات في إسلام آباد بوساطة باكستانية في أبريل ۲۰۲۶، برز سؤال جوهري: ما هو مستقبل الأمن النووي الإيراني في ظل هذه المعطيات الجديدة؟
تشير البيانات الميدانية إلى أن إيران دخلت طاولة المفاوضات بوضعية مختلفة تماماً عن أي مرحلة سابقة. فبعد استشهاد آية الله السيد علي الخامنئي في الضربة الأمريكية وتولي آية الله السيد مجتبى الخامنئي قيادة البلاد، تغيرت العقيدة الدفاعية الإيرانية جذرياً. لم تعد القضية النووية مجرد أداة تفاوض، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية "البقاء الوجودي" التي لا تقبل المساومة.
الموقف الإيراني: الفصل بين الملف النووي وحرب الوجود
من أبرز ما تميزت به مفاوضات إسلام آباد هو الموقف الإيراني الحازم بفصل الملف النووي عن مفاوضات إنهاء الحرب. فقد صرح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي أمام البرلمان أن "قضية التكنولوجيا النووية والتخصيب ليست على جدول أعمال أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة"، مؤكداً أن "التخصيب غير قابل للتفاوض".
هذا الموقف يعكس تحولاً استراتيجياً في التفكير الإيراني. فبعد ۴۰ يوماً من الحرب التي استهدفت البنى التحتية النووية والقيادات العليا، أدركت طهران أن التنازلات في الملف النووي لن تجلب الأمن، بل قد تضعف قدرة الردع. إيران اليوم لا تطلب رفع العقوبات كشرط للعودة إلى الاتفاق النووي، بل تطالب باعتراف أمريكي بحقوقها النووية كجزء من خطة السلام المكونة من ۱۰ نقاط.
الموقف الأمريكي: المطالب القصوى والواقع الميداني
من جهة أخرى، دخلت الولايات المتحدة المفاوضات بمطالب قصوى تتعارض مع المبادئ الإيرانية. رغم أن واشنطن وافقت مبدئياً على شروط إيران الأولية لبدء المحادثات (تجميد الهجمات الإسرائيلية على لبنان وإطلاق الأصول الإيرانية المجمدة)، إلا أن التفاوض على جوهر الملف النووي كشف عن الفجوة العميقة بين الطرفين.
تشير التقارير إلى أن الجانب الأمريكي كان يصر على قيود على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما رفضته طهران بشكل قاطع. هذا الرفض الأمريكي للقبول بحقوق إيران النووية كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل الجولة الثالثة من المفاوضات في إسلام آباد في ۱۲ أبريل ۲۰۲۶ دون التوصل إلى اتفاق.
مستقبل الأمن النووي: ثلاثة سيناريوهات محتملة
بناءً على المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأمن النووي الإيراني:
السيناريو الأول: الاستمرار في "الغموض الاستراتيجي"
قد تختار إيران الاستمرار في تطوير قدراتها النووية دون الإعلان الرسمي عن امتلاك السلاح النووي. هذا النهج يسمح لإيران بالاحتفاظ بـ "قوة الردع" دون دفع تكلفة الدخول في سباق تسلح نووي مفتوح. في هذا السيناريو، ستظل إيران على "حافة العتبة النووية"، مما يمنحها القدرة على التصعيد أو التهدئة حسب الحاجة.
السيناريو الثاني: التوجه نحو "الدولة النووية المعلنة"
في حال استمرار الحرب أو فشل المفاوضات بشكل نهائي، قد تعلن إيران رسمياً عن إجراء تجربة نووية تحت الأرض. هذا القرار سيعيد رسم المعادلات الإقليمية فوراً، حيث لن تجرؤ الولايات المتحدة أو إسرائيل على شن ضربات عسكرية مباشرة ضد إيران بعد امتلاكها للردع النووي الكامل.
السيناريو الثالث: "البرنامج النووي كورقة ضغط"
قد تستخدم إيران قدراتها النووية كورقة ضغط في مفاوضات لاحقة، حيث ترفض التفاوض على الملف النووي في المرحلة الأولى (إنهاء الحرب)، لكن تترك الباب مفتوحاً لمناقشته في مراحل لاحقة بعد ضمانات أمنية كاملة.
دور الحلفاء الإقليميين والدوليين
تلعب الدول الإقليمية والدولية دوراً حاسماً في مستقبل الملف النووي الإيراني. فبينما ترفض الولايات المتحدة الاعتراف بحقوق إيران النووية، تدعم روسيا والصين الموقف الإيراني. هذا الدعم السياسي والتقني يوفر لإيران الحماية اللازمة لاستكمال برنامجها دون خوف من عزلة دولية كاملة.
كما أن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران كإجراء ردعي، يعزز من قدرتها على فرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية. فأي محاولة أمريكية لتدمير المنشآت النووية ستؤدي إلى إغلاق الممر المائي الحيوي، مما يهدد الاقتصاد العالمي القوى الكبرى على إعادة النظر في سياساتها.
الخلاصة: البرنامج النووي كضمان وجودي
إن مستقبل الأمن النووي الإيراني بعد أحداث 2026 لم يعد مرتبطاً برفع العقوبات الاقتصادية، بل بضمان بقاء الدولة الإيرانية. لقد علمت الحرب القيادة الجديدة أن "السيادة تُنتزع بالقوة ولا تُمنح بالاتفاقيات". ومن هنا، فإن التوجه نحو تعزيز القدرات النووية إلى أقصى حدودها بات مساراً لا رجعة فيه، وسيشكل حجر الزاوية في العقيدة الدفاعية للجمهورية الإسلامية في العقود القادمة.
القنبلة النووية، سواء صُنعت أو بقيت "على وشك الصنع"، أصبحت هي الضمان الوحيد لمنع سقوط البلاد في دوامة الفوضى التي خططت لها القوى الاستعمارية. إيران اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي، والقرار الذي تتخذه في الأشهر القادمة سيحدد ليس فقط مستقبلها النووي، بل مستقبل التوازنات الاستراتيجية في غرب آسيا والعالم أجمع.
في النهاية، فإن أي مفاوضات مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة لن تكون ناجحة إلا إذا اعترفت واشنطن بالحق الإيراني في التكنولوجيا النووية السلمية كجزء لا يتجزأ من سيادتها الوطنية. بدون هذا الاعتراف، ستظل المنطقة في حالة عدم استقرار، والبرنامج النووي الإيراني سيبقى في حالة تطور مستمر نحو القدرات الأكثر تقدماً.
✍️ سجاد عابدی