وجاءت تصريحات الكاتب الإسرائيلي إيال ميغيد، الصديق السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لتعيد هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما قال إنه "سيكون سعيدا لو حدث انقلاب عسكري ضد نتنياهو".
وأثارت هذه التصريحات عاصفة من الجدل داخل "إسرائيل"، إذ اعتبر ميغيد أن استمرار حكم نتنياهو يقود الدولة إلى "الجنون" والتدمير.
وتكشف هذه التصريحات عن تصاعد حدة التوتر بين الحكومة اليمينية المتشددة والمؤسسة الأمنية والعسكرية، وهو توتر لم يعد يقتصر على خلافات تكتيكية حول إدارة الحرب في غزة ولبنان، بل أصبح يمس جوهر العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية.
أزمة أعمق من الحرب
بدأت جذور هذا الانقسام قبل أحداث 7 أكتوبر 2023، وتفاقمت خلال أزمة التعديلات القضائية.
في ذلك الوقت، أعلن أكثر من 10,000 جندي احتياطي من بينهم أكثر من 1,100 ضابط، بما في ذلك طيارون من سلاح الجو، رفضهم الخدمة في حال تمرير التعديلات.
ومع استمرار الحرب في غزة ولبنان، لأكثر من عامين ونصف، تحولت الخلافات إلى مواجهة مفتوحة، مدعومة بأرقام مقلقة.
معسكر الحكومة اليمينية:
• يرى المؤسسة الأمنية جزءاً من "الدولة العميقة".
• يتهم قيادات الجيش بالفشل الاستخباراتي في 7 أكتوبر.
• يصر على استمرار الحرب حتى "النصر الكامل".
• يعتمد على شركاء متطرفين مثل بن غفير وسموتريتش.
معسكر المؤسسة الأمنية والعسكرية:
• يحذر من استمرار الحرب دون أفق سياسي، خوفا من الاستنزاف.
• يعارض التوسع العسكري الذي قد يفتح جبهات جديدة.
• يرى تداخلاً بين الحسابات السياسية للائتلاف والقرارات العسكرية.
أرقام ووقائع تعكس حجم الأزمة
• رفض الخدمة في الاحتياط: في 2025، أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن أكثر من 100,000 جندي احتياطي توقفوا عن الالتحاق بالخدمة، ونسب حضور تتراوح بين 50-60% في بعض الوحدات، مقارنة بـ120% في بداية الحرب.
• الخسائر العسكرية: تجاوز عدد الجنود الإسرائيليين القتلى في الحروب الحالية 948 جنديا، حتى أبريل 2026)، منهم عشرات في جنوب لبنان خلال 2026.
• استطلاعات الرأي: أظهرت استطلاعات حديثة (أبريل-مايو 2026) أن الائتلاف الحكومي الحالي قد يحصل على 49-51 مقعداً فقط في الكنيست (من أصل 120)، بينما يتقدم المعارضون.
كما انخفضت نسبة الثقة في نتنياهو إلى حوالي 40-46% بين اليهود الإسرائيليين.
صدامات متكررة
برزت الخلافات في تسريبات وتقارير عن توترات حادة بين نتنياهو وقادة الجيش (مثل رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي والحالي إيال زامير) حول:
• نطاق العمليات في لبنان.
• استراتيجية "اليوم التالي" في غزة.
• إدارة ملف الرهائن والمساعدات.
هل الانقلاب العسكري ممكن؟
احتمالاته ضعيفة جداً.
إسرائيل لم تشهد أي انقلاب عسكري منذ تأسيسها عام 1948، والجيش يخضع لسيطرة مدنية صارمة.
الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع فكرة الانقلاب في الخطاب العام، مما يُضعف الثقة بين المؤسسات.
التداعيات المحتملة
1. تعميق الاستقطاب وارتفاع احتمال رفض الخدمة.
2. تآكل الثقة بين الحكومة والجيش، مما يؤثر على اتخاذ القرارات.
3. إضعاف الموقف الدولي لإسرائيل، حيث يستغل الخصوم هذه الانقسامات.
4. ضغط نفسي على الجنود في الجبهات.
في النهاية، تعكس دعوات إيال ميغيد حالة احتقان متراكمة داخل المجتمع الإسرائيلي.
المشكلة الأساسية ليست في تصريح فردي، بل في تحول الخلافات السياسية إلى أزمة وجودية تتعلق بطبيعة الدولة وعلاقة حكومتها بمؤسساتها الأمنية في زمن حرب طويلة ومكلفة.
وإذا كانت دعوات الانقلاب تبدو مستبعدة اليوم، فهل يكون الخطر الحقيقي هو وصول إسرائيل إلى مرحلة يصبح فيها الحديث عن هذا السيناريو أمراً طبيعياً؟
*بقلم وائل الغول - باحث مصري في الشؤون الاسرائيلية