وللتمعن اكثر في دلالات تراجع الكيان الصهيوني عن الهجوم على بيروت والضاحية بعد تهديد القوات المسلحة الإيرانية لا بد من قراءة النقاط العشرة الحساسة التالية لمعرفة حقيقة ما اوجدته ايران من نموذج سلوكي اخلاقي قلّ نظيره في المجتمعات البشرية والتحالفات الانسانية النابعة مع الشعور بالمسؤولية التضامنية ومن وحدة المصير والهدف وما اوجدته من نموذج راق لأي تحالف صميمي مستقبلي في العالم.
1- تهديد القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالرد على هجوم الكيان على بيروت والضاحية يعتبره الأمريكيون موثوقًا. النصر الاستراتيجي لإيران في مواجهة أمريكا وحلفائها في الحرب الأخيرة خلق مصداقية دائمة لإيران. إن خطاب إيران وتهديداتها وادعاءاتها، بما أنها أثبتت في الحرب بالسلوك والأداء والقدرات للقوات المسلحة، فستظل موثوقة من الآن فصاعدًا. وسر بقاء هذه المصداقية هو ما رآه ولَمَسَه الصديق والعدو بأعينهم في الحرب، وهو إثبات التهديد على أرض الواقع.
2- أمريكا والكيان يخشيان من فتح جبهة جديدة في المنطقة. مواجهة أي من أطراف جبهة المقاومة بشكل منفرد يمنح اليد العليا لأمريكا والكيان. لقد طبقت جبهة المقاومة عمليًا ميثاقًا دفاعيًا مشتركًا للدفاع عن وجودها. على الرغم من أن قدرات مكونات هذه الجبهة تتضافر حسب الحاجة في كل مرحلة، إلا أن تراجع أمريكا والكيان عن التعدي على الضاحية وبيروت تحت الضغط الإيراني أثبت فعالية هذا الميثاق الدفاعي، وتأكد مرة أخرى أن العدو عاجز عن مواجهة أطراف جبهة المقاومة في جبهات مختلفة ويخشى من ذلك.
3- قيمة الاتفاق مع إيران بالنسبة لأمريكا تفوق الحفاظ على مصداقية الكيان الصهيوني في جبهة الحرب مع حزب الله. حاجة أمريكا للتخلص من جحيم الحرب مع إيران أثبتتها حالات الهروب والتراجع المتكررة لترامب من الحرب مع إيران. من طلب وقف إطلاق النار وقبول الشروط العشرة لإيران في نهاية حرب الـ 38 يومًا، إلى التمديد الأحادي لوقف إطلاق النار بعد فشل محادثات إسلام آباد، وإلغاء عملية "مشروع الحرية" لفتح مضيق هرمز، والإصرار على الالتزام بوقف إطلاق النار وعدم الدخول في الحرب رغم الضربات القاسية التي لحقت بالبارجات والقواعد والزوارق والإسقاط المتتالي للطائرات الأمريكية المسيرة، والآن التراجع عن الهجوم على بيروت، كل ذلك يظهر أن أمريكا راغبة بشكل لا يُصدق في إنهاء الحرب والتوصل لاتفاق مع إيران. ربما سيتضح قريبًا أن ترامب مستعد للتخلص من مستنقع الحرب مع إيران بأي ثمن، حتى لو كان هذا التخلص على حساب التراجع عن جميع ادعاءاته وأهدافه المعلنة عند بدء الحرب، واستمرار سقوطه الحر في الرأي العام.
4- التناقض الواضح بين تصريحات ترامب دليل على حيرة أمريكا في المعركة السياسية والعسكرية مع إيران. بعد أن أعلنت إيران تهديدها بترك المفاوضات بسبب انتهاك وقف إطلاق النار نتيجة اعتداء الكيان وتهديده بالهجوم على بيروت والضاحية، تظاهر ترامب في أول رد فعل على هذا الموضوع بأن توقف المفاوضات مع إيران لا يهم أمريكا. بل ادعى ترامب أنه يرحب بهذا التوقف لأن مرور الوقت يضر بإيران. ولكن بعد أقل من ساعة، في تحول واضح وتغيير في الموقف، قام بشتم نتنياهو بغضب، وتعمّد تسريب خبر هذا الشتم عبر الإعلام في ظل البيت الأبيض (أكسيوس) ليُوصل إلى طهران هذه الرسالة بشفافية، بأن نتنياهو لم يكن مذنبًا في هذا الإجراء. هذا التحول الواضح يذكر الجميع بتغريدة ترامب الشهيرة بالأحرف الكبيرة بعد هجوم الكيان على منشأة عسلوية في الحرب، حيث تعهد نيابة عن إسرائيل بأن هذا الخطأ لن يتكرر مرة أخرى. كل هذه المواقف المتغيرة والمتناقضة والتحولات تدل على حيرة أمريكا في مواجهة إيران.
5- المشاركة العلنية لأمريكا مع الكيان في مسؤولية الاعتداء على لبنان. على الرغم من تصريحات مسؤولي الكيان بتنفيذ هجوم وشيك على الضاحية بالتنسيق والضوء الأخضر الأمريكي، فإن الهجوم اللفظي لترامب على نتنياهو ومنعه من تنفيذ هذا الهجوم أثبت مجددًا أن هذا التنسيق حقيقي، وأنه في حال عدم وجود مصلحة أمريكية (أظهرت الضوء الأخضر لإسرائيل) فإنها تضطر لإظهار الضوء الأحمر.
6- القوة العسكرية إلى جانب القوة الدبلوماسية ولأجل دفعها يجب أن تظل محط اهتمام. في استمرار مسار الدبلوماسية الإيرانية لإنهاء الحرب، يجب أن يكون هذا الواقع واضحًا تمامًا للجميع، وهو أنه بدون تهديد عسكري موثوق لا يمكن تحقيق تقدم دبلوماسي. إن استخدام لغة التهديد الموثوق من قبل القوات المسلحة هو جزء لا يتجزأ من الدبلوماسية، ولا ينبغي لبعض السياسيين أن يحملوه على أنه عرقلة للدبلوماسية، كما كان الحال للأسف في فترات المفاوضات السابقة مع أمريكا.
7- تهديد إيران لا يعني سلب الحق المشروع للمقاومة في الدفاع عن النفس ضد عدوان واحتلال الكيان. للمقاومة الحق الإنساني المشروع في استخدام جميع الوسائل اللازمة ضد احتلال الأراضي. هذا الحق لا ينتهك بأي اتفاق أو شراكة استراتيجية، بما فيها وحدة جبهة المقاومة. لا يمكن أن يُتخذ قرار نيابة عن شعب تحت الاحتلال بشأن ما إذا كان سيتخذ إجراءً ضد احتلال أرضه والاستيلاء على منازلهم وأراضيهم أم لا. لذلك، في أي اتفاق نهائي في المستقبل، وحتى في فترة وقف إطلاق النار والمفاوضات، يجب النص على هذا الحق بشكل صريح.
8- قدرة إيران على إجبار أمريكا والكيان على وقف عملية عسكرية في لبنان هي أمر غير مسبوق في المنطقة والعالم، وهي علامة على بدء عصر القوة العظمى لإيران. لا توجد قوة في العالم تجبر أمريكا على أن توقف هي وحليفها الكيان الصهيوني عدوانًا. أمام أكثر من عامين من القتل والجريمة وإبادة حوالي مائة ألف شخص في غزة على يد الكيان الصهيوني المجرم، لم يستطع أحد في العالم وقف أمريكا والكيان في هذه الإبادة الجماعية، والآن تهديد القوات المسلحة الإيرانية جعل هذا المستحيل ممكنًا، وسبب ذلك هو إثبات وتثبيت قوة إيران الناتجة عن المقاومة في الحرب الأخيرة.
9- الأركان الأربعة للردع الإيراني تشمل: السيادة على جميع حقوقها النووية، والسيادة على مضيق هرمز، وقدرة القتال العسكري غير المتماثل، ووحدة وتحالف جبهة المقاومة الدفاعي. ضعف أي من هذه الأركان سيؤدي مباشرة إلى ضعف الردع أمام تهديدات العدو في المستقبل. في أي اتفاق، يجب حماية وصيانة كل واحد من هذه الأركان بجدية، ولا يجب التخلي عن أي منها، لأن فائدة ونتيجة وإنجاز التآزر بين هذه الأدوات قد ظهرت جيدًا في الحرب الأخيرة.
10- إيران، على عكس أمريكا التي تستغل فقط حلفاءها وتتخلى عنهم في أوقات الأزمات والخطر، لا تتخلى عن حلفائها حتى عندما تكون تكلفة دعمهم مساوية للدخول في حرب وصراع مع أعداء غادرين مثل أمريكا والكيان الصهيوني. هذا السلوك الإنساني والأخلاقي والمسؤول والتضامني الإيراني هو نموذج لأي تحالف في العالم، ويثبت لدول الخليج العربي أن التحالف مع إيران أكثر فائدة لهم بكثير من التحالف مع أمريكا والكيان الصهيوني.