بعد شهر من تفكك الاتحاد السوفيتي، قدّم الرئيس الأميركي جورج بوش الأب وثيقته يوم 28 كانون الثاني/ يناير 1992 للكونغرس الأميركي عن “حالة الاتحاد”، أكد فيها على عدة أمور أبرزها؛ أنّ الولايات المتحدة ستبقى الدولة الوحيدة ذات القوة الحقيقيّة الشاملة والنفوذ الكبير في أبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأنّ أميركا ستفعّل اهتماماتها الاستراتيجية في "الشرق الأوسط"، وجنوب شرق آسيا، وستؤمّن تدفق النفط بحريّة، وأن رسالة الولايات المتحدة التي تنفرد بقيادة العالم، تجعلها الوحيدة القادرة على دعم الأمن والسلام الجماعيّ من خلال تطبيق القانون الدولي، ودعم الحركات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحماية سيادة الدول، وتقديم النموذج الأميركي سياسياً وثقافياً، واقتصادياً واجتماعياً، باعتباره النموذج الأمثل لحلّ مشاكل العالم المتزايدة (!)
تفكك الاتحاد السوفياتي، جعل الرئيس الأسبق "ريتشارد نيكسون" يبلور دور الولايات المتحدة وزعامتها على العالم كله في كتابه "انتهزوا الفرصة" ليقول: "إنّ زعامة الولايات المتحدة للعالم، لن يكون هناك بديل عنها طيلة العقود المقبلة، لما تمتلكه من القوة الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، ما يجعلها تقف في ذروة قوتها الجيوسياسية. إذا ما انحدر وضعها ومكانتها كقوة عظمى وحيدة، فإنّ هذا سينتج عن الاختيار وليس بالضرورة، وأنّ لدينا فرصة تاريخيّة لتغيير العالم”….
من الطبيعي أنّ الوضع العالمي بعد 1991 وانهيار الاتحاد السوفيتي، حرّر قيود الولايات المتحدة، وجعلها للمرة الأولى طليقة اليدين، غير مقيّدة بضغوط أو بحرب باردة، أو بقانون دولي، ما جعل زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأميركي جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، يقول: “إنّ أفول نجم الاتحاد السوفياتي، معناه تفرّد الولايات المتحدة بمركز الدولة العظمى ذات المسؤولية العالمية”!
لكن هل فعلاً تنفرد الولايات المتحدة اليوم، بالزعامة العالميّة دون منازع، كما كانت عليه في التسعينيات، وفي العقد الأول من القرن الحالي، بعد صعود قوى عالمية وإقليمية كبرى تلجم الأحادية القطبية الأميركية، وتكبح جماح سياساتها من حيث تدخّلاتها، وتعزيز نفوذها، وتجاوزها في كثير من الأحيان القوانين الدوليّة والإنسانيّة، غير عابئة بالمجتمع الدولي ولا بالأمم المتحدة؟!
لعلّ عهد الرئيس ترامب في ولايته الأولى، وولايته الثانية يظهر جلياً للعالم، تجاوزه بشكل سافر للقوانين والأعراف الدولية، وذلك عندما طالب بضمّ كندا، وغرينلاند، وقام بخطف رئيس فنزويلا بعملية قرصنة لا مثيل لها، رغماً عن أنف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وبعد ذلك يبدي استعداده لغزو كوبا للإطاحة بنظامها. الرئيس ترامب يريد ان يجعل من “أميركا أولاً” على حساب حقوق ومصالح الآخرين في العالم. لذا يخوض حربه الاقتصادية ضدّ الحلفاء والأصدقاء والخصوم، يفرض عليهم المزيد من الرسوم الجمركيّة، ويطبق عقوبات اقتصاديّة شاملة بحق دول تعارض السياسات الأميركيّة.
يريد ترامب أن يُمسك بزمام العالم اقتصادياً وعسكرياً، ويحافظ على قوة ونفوذ وهيمنة أميركا على العالم، دون الأخذ بالاعتبار أنّ العالم بدأ يتحوّل، ولم يعد كما كان عليه خلال عقدين بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. قوى سياسية، واقتصادية وعسكرية بدأت تشكل تحدياً مباشراً لأميركا وتقلص من هيبتها ونفوذها وانجرافها. لذا يجد ترامب انّ الإمساك بالطاقة العالمية، سلماً
او غزواً، او حرباً، يتيح للولايات المتحدة أن تُمسك بمفاصل العالم، وتحاصر دولاً تشكل اقتصاداتها منافساً قوياً وشرساً لمصالحها الاقتصادية وأسواقها التجارية.
إذا استطاعت الولايات المتحدة التحكم بدرجة كبيرة في إنتاج النفط والغاز في دول الخليج (الفارسي)، وإيران، وفنزويلا، فإنّ ذلك يمنحها الكثير من مقوّمات القوة، من خلال تأثيرها في ما بعد، على أسعار الطاقة العالمية، وتحقيق نفوذ إضافي على الدول المستوردة الكبرى للطاقة وابتزازها، وزيادة قدرتها على فرض العقوبات الاقتصادية الاستنسابية، وجعلها أكثر فعاليّة، وأيضاً تقليص هامش المناورة الاستراتيجيّة لمنافسين لها، مثل الصين، والهند، ودول أخرى تمتلك اقتصادات صناعية كبرى تعتمد على استيراد الطاقة.
لقد كان أمن الطاقة دائماً، جزءاً من مفهوم الأمن القومي الأميركي، حيث اعتبر العديد من المفكّرين الاستراتيجيين الأميركيين ومنهم زبيغنيو بريجنسكي وهنري كيسنجر، انّ السيطرة على الممرات والموارد الاستراتيجية تؤثر في ميزان القوى الدولي، وإنْ كان النفوذ والسيطرة على مصادر الطاقة لا يكفي وحده للتأثير على القوى الاقتصادية الكبرى على المدى البعيد، لأنّ الدول الكبرى بدأت تعتمد على عناصر متعدّدة غير النفط والغاز، كالتكنولوجيا، والقدرات العسكرية، والنفوذ المالي، والموارد الطبيعية. لذا نجد المنافسة الأميركية مع الصين تتركز على التكنولوجيا المتقدّمة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد العالمية.
بعد نفط الخليج (الفارسي) والعراق وفنزويلا، تبقى عين الولايات المتحدة ورئيسها ترامب على نفط إيران وغازها، وما الحرب عليها عامي 2025 و 2026 إلا لإسقاط نظامها، والمجيء بنظام جديد من إخراجها، وبعد ذلك السيطرة على آخر معقل من معاقل الطاقة الاستراتيجية في العالم، حيث يقدّر الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد بين 1,7 و 1,8 تريليون برميل، في حين يقدّر الاحتياطي النفطي المؤكد لدول الخليج (الفارسي) وفنزويلا، وإيران والعراق بين 1,15 و1,25 تريليون برميل، اي ما يعادل 70% من الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد، ما جعل هذه الدول أن تكون فعلاً “قلب الطاقة العالمي”.
إيران هي الموقع الأخير العصيّ على ترامب، الذي يريد إخضاعه للنفوذ الأميركي عن طريق القوة. ومن هذا الموقع ينطلق للتوجه الى دول كبرى أخرى تشكل تحدياً قوياً، ومنافساً شرساً، يقف في وجه الولايات المتحدة، ويحدّ كثيراً من تسلّط وهيمنة القوة الأحادية الأميركية التي كانت لها منذ ثلاثة عقود.
إذا ما نجحت إيران وأفشلت المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، فهذا يعني انّ العدّ العكسي لهيمنة ونفوذ الولايات المتحدة، وتفرّدها بمركز الدولة العظمى “ذات المسؤولية العالمية”، سيبدأ من إيران، التي ستغيّر وجه الشرق الأوسط، والعالم، وتحرّره شيئاً فشيئاً من قبضة الولايات المتحدة ونفوذها. إيران أصبحت للعالم المثل الحي في تحدّيها، وصمودها، وتصدّيها، ومقاومتها للدولة العظمى التي آثرت أن تستأثر بالقرار العالمي دون أيّ اعتبار للمجتمع الدولي، ولا لحقوق الدول والشعوب.
تاريخ جديد في العلاقات الدولية تسطره إيران، وهي تعطي درساً للعالم في كيفيّة الدفاع عن سيادتها، وأمنها القومي وفي مقاومتها، ومواجهتها للعدوان، وللضغوط والعقوبات القاسية التي تفرضها عليها الدولة العظمى.
من إيران، سيتغيّر وجه الشرق الأوسط، وسترسم سياسات ومعادلات جديدة، وسيتقلّص نفوذ الولايات المتحدة، وسينحدر وضعها ومكانتها كقوة عظمى وحيدة، وهذا بالضرورة، وليس بالاختيار، كما زعم يوماً الرئيس ريتشارد نيكسون…!
بقلم : د. عدنان منصور.... وزير الخارجية والمغتربين اللبناني السابق