الثابت أن إنذارات الإخلاء الجماعي التي يعتمدها العدو الإسرائيلي تندرج في إطار التهجير القسري، الذي يُعدّ من أخطر الانتهاكات التي يجرّمها القانون الدولي الإنساني، إذ يُصنّف جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب عدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، بحيث ان المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة تعتبر التهجير القسري مخالفة جسيمة لأحكام الاتفاقية، فيما تؤكد المادة 85 من البروتوكول الإضافي الأول أن هذه المخالفات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، كذلك، يدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في الفقرة الثانية من المادة الثامنة، التهجير القسري ضمن جرائم الحرب. ويهدف هذا الحظر إلى صون حق الأفراد في البقاء داخل مجتمعاتهم ومنازلهم وحمايتهم من أي تدخل خارجي يفرض عليهم النزوح أو الترحيل، في حين أن الإخلاء الجماعي يقوّض هذه الحماية على نحو غير مبرر”
ان “أحكام القانون الدولي الإنساني، وإن كانت تجيز في ظروف استثنائية ومحددة إخلاء السكان المدنيين من بعض المناطق، فإنها تربط ذلك بضرورات حماية المدنيين أو بوجود ضرورة عسكرية ملحّة، على أن يكون الإخلاء مؤقتاً وأن يتم وفق ضوابط قانونية واضحة، ولا سيما ما يتعلق بآليات الإنذار والإبلاغ، غير أن العدو الإسرائيلي اعتمد، في لبنان، سياسة التهجير القسري كأداة ضمن استراتيجيته الحربية، من خلال إفراغ مناطق واسعة من سكانها وتحويلها إلى أحزمة أمنية أو مناطق عازلة خالية من الوجود المدني، وهذا يعني أن إجراءات الإخلاء خرجت بصورة صارخة عن الإطار القانوني الذي يهدف إلى حماية المدنيين، لتتحول إلى وسيلة لتحقيق أهداف منفصلة كلياً عن الغاية التي شُرّعت من أجلها، ومن بينها الاحتلال، الذي لا يستند إلى أي سند قانوني أو أخلاقي، بل تحظره الفقرة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن قرارات صريحة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة”
“يمكن أن يرقى هذا النوع من الإنذارات إلى مستوى التطهير العرقي، لكونه يُمارس ضد فئة معينة من السكان، الأمر الذي يجرّده من أي مسوّغ قانوني أو أخلاقي أو إنساني. وقد يُردّ على هذا التحليل بالقول إن ثمة ضرورة عسكرية ملحّة تبرّر هذه الإنذارات، إلا أن هذا الدفع يُدحض انطلاقاً من أن كثيراً من المناطق التي شهدت تهجيراً لم تشهد أساساً أي عمليات عسكرية، ما يُسقط مقوّمات الضرورة المتذرّع بها، كما يُستفاد من أحكام اتفاقيات جنيف أن المنطقة التي يمكن اعتبارها هدفاً عسكرياً مشروعاً، ويُصار إلى إخلائها، يجب أن تكون محددة النطاق، لا أن تشمل مساحات واسعة من الأراضي. وعليه، فإن التذرّع بوجود مخزن أو هدف معيّن، كذريعة عسكرية افتراضية، لا يبرّر استهداف مناطق شاسعة، وبالتالي لا يبرّر إصدار إنذارات مسبقة بإخلائها”
بقلم: د. جهاد اسماعيل استاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية