عاجل:

عندما يصنع ترامب نصراً وهمياً من استسلام حقيقي أمام إيران: توم نيكولز وشهادة انهيار جمهورية الوعد

الإثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦
٠٥:٢٨ بتوقيت غرينتش
عندما يصنع ترامب نصراً وهمياً من استسلام حقيقي أمام إيران: توم نيكولز وشهادة انهيار جمهورية الوعد بقلم: نوال عباسي- عضو أمانة منتدى سيف القدس في تونس

ثمة صورة معلقة في ذاكرة السياسة الأمريكية اليوم، صورة لا تُرى بالعين وإنما تُقرأ في انكسارات المواقف وتشظي المرجعيات: حزب عريق يقف على مفترق طرق، ورجل يمسك بزمامه وهو يصنع من الهزيمة احتفالاً في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، بينما تراه النخب التي صنعت أمجاد الحزب نفسها تردد أن بلادها تستسلم.

ليس الخلاف هنا خلافاً على تفاصيل اتفاق، بل هو مرآة لصراع وجودي حول هوية الجمهورية الأمريكية ذاتها، صراع تجسّد بأكثر صوره دراماتيكية في شخص توم نيكولز، الأكاديمي الذي قضى عمره يدرس السياسة النووية والشؤون الروسية في كلية الحرب البحرية، فإذا به يجد نفسه اليوم غريباً في حزبه، يكتب مقالاته في The Atlantic كأنما يخطّ شهادةَ ميلادٍ للفراغِ الذي حلّ محلَّ تلك الجمهورية، إيذاناً بانتقالها من تاريخٍ حيّ إلى أثرٍ يُروى.

فمن يكون نيكولز حتى يكون هذا المثال الصارخ للانقسام المحافظ؟ إنه صاحب كتاب "موت الخبرة"، ذاك العمل الذي نبّه فيه إلى تحول الجهل في أمريكا إلى فضيلة، وإلى كيف صار المواطنون يصرون على أن آرائهم غير المطلعة تستحق نفس وزن عقود من التخصص والمعرفة. وهو كان جمهورياً مدى الحياة، لكنه غادر حزبه، أو بالأحرى تركه يغادره، عندما رأى تقديساً جماعياً لرجل يرى فيه تهديداً على مستويات عديدة جداً لأشياء عديدة.

في موقفه هذا، ليس نيكولز مجرد ناقم، بل هو صوت نخبة تقليدية تؤمن بالتحالفات الدولية وبالقوة العسكرية المدروسة وبأن أمريكا قائدة لا منسحبة، نخبة تجد نفسها اليوم محاصرة بين صقور يريدون تشديداً أعمى وانعزاليين جدد يرفعون شعار "أمريكا أولاً" كأنما العالم لا يحتاج إلا لتهافتها.

وفي مقاله الأخير الذي حمل العنوان الأكثر قسوة، "ترامب يحتفل بينما تستسلم أمريكا"، ينقل نيكولز مشهداً يفيض بالتناقض: رئيس يعلن الاتفاق الإيراني على منصة "تروث سوشيال" بعبارات المنتصر، "تهانيي للجميع"، ثم ينصرف ليحتفل بعيد ميلاده في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. لكن نيكولز، في كل سطر من مقاله، يصر على أن أمريكا لا تملك ما تحتفل به، لأنها في الحقيقة خسرت حرباً في زمن قياسي أمام خصم متوسط القدرات لكنه شديد الخطورة -حسب تعبيره-، وفشلت في تحقيق كل هدف وضعته لهذه الحرب، فلا يبقى أمام ترامب سوى "توقيع وختم وتسليم استسلام أمريكا في أسرع وقت ممكن"، وجعله يبدو وكأنه نصر وهمي يليق باحتفالات الحديقة.

وهذه القراءة ليست مجرد انطباع عابر، بل هي تشريح لاتفاق يراه نيكولز تسليماً مذلاً: إيران ستبقى حاملة صواريخها وطائراتها المسيرة ونفوذها في مضيق هرمز ونظامها الذي لا تقهره الاغتيالات، وستُرفع العقوبات لتتدفق مليارات الدولارات إلى خزائن النظام، والكيان الصهيوني سيُترك لعزلته المتزايدة.

لكن ما لا يقوله نيكولز صراحة، أو ربما لا يريد قوله، هو أن هذا الاستسلام الأمريكي لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة صمود إيراني فرض معادلات جديدة في غرب آسيا لم يعد بإمكان واشنطن تجاوزها. فإيران، التي راهن الأميركيون على سحقها بضربات عسكرية موجعة، أثبتت أن الصبر الإستراتيجي وتحويل التهديدات إلى نقاط قوة يمكن أن يقلب الموازين.

فلم تعد طهران مجرد طرف يتم احتواؤه أو توجيه الإنذارات إليه، بل أصبحت فاعلاً يفرض شروطه على الطاولة، سواء في مضيق هرمز وباب المندب حيث يتحكم أنصار الله بملاحة العالم، أو في المفاوضات حيث أصبحت المساومة من موقع القوة حقيقة واقعة، أو في الميدان حيث أثبت محور المقاومة أن الردع لم يعد حكراً على جيش الكيان الصهيوني أو القواعد الأميركية. وهذه التحولات ليست طارئة، بل هي نتاج إستراتيجية طويلة الأمد راهنت على الصمود وتحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط لا تُهزم.

هذا الصمود الإيراني لم يوقف التقدم الأميركي فحسب، بل أحدث زلزالاً سياسياً داخل الحزب الجمهوري نفسه، محولاً الكونغرس إلى ساحة تمرّد داخلي غير مسبوق. فالحرب التي شنها ترامب ظناً منه أنها ستكون نزهة عسكرية قصيرة، تحولت إلى مستنقع كشف التناقض الصارخ مع وعد "أمريكا أولاً" بإنهاء التورطات الخارجية. فوجد أنصار التيار الانعزالي أنفسهم في مواجهة رئيس يزج بهم في صراع جديد لا نهاية له، بينما اكتشف الصقور التقليديون أن رئيسهم الذي استهانوا بوعوده الانتخابية يتخلى عنهم ويسلم مفاتيح النفوذ الإقليمي لإيران.

ووصل الانقسام إلى ذروته عندما سحب قادة الحزب مشروع قرار كان يهدف لإنهاء الحرب، بعدما تبيّن أنهم لا يملكون الأغلبية حتى داخل حزبهم، فأصبح الحزب الذي كان يجمعهم تحت راية واحدة ساحة معركة يتبادل فيها الأخوة الأعداء أصابع الاتهام، كل يلبس ثوب النخبة ويرى نفسه وحده صانع المجد، وغيره خائناً أو جاهلاً.

لكن المفارقة الأعمق في هذا المشهد هي المأزق الذي وجد فيه أقوى لوبي مؤيد للكيان الصهيوني في أمريكا، وهو "اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية" (إيباك). فهذا اللوبي الذي راهن لعقود على الحزب الجمهوري كحصان رابح في السباق نحو دعم الكيان الصهيوني بلا حدود، يكتشف اليوم أن رهانه التاريخي لم يعد يحقق أرباحاً. فبعد أن استثمر أكثر من مئة مليون دولار في حملات انتخابية لتأمين غطاء جمهوري متين، يواجه اليوم أزمة ثقة حادة، إذ لا يستطيع منع رئيس الحزب من السعي إلى اتفاق مع إيران، ولا يستطيع لملمة الانقسام الذي يعصف بصفوف مؤيديه.

بل إن بعض المشرعين الجمهوريين بدأوا ينتقدون الكيان الصهيوني علناً، ويصفون أفعاله بأنها تجاوزت حدود الدفاع الشرعي، وهو ما كان أمراً لا يمكن تخيله قبل سنوات. والأكثر إيلاماً أن الرأي العام الأميركي بدأ يتحول ببطء ضد الرواية الصهيونية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً غير مسبوق في التأييد الشعبي، معتبراً أن ما يحدث في غزة لم يعد مبرراً بوعود الأمن الزائفة. وهكذا، وجد اللوبي نفسه في مأزق وجودي، إذ لم يعد قادراً على فرض إرادته كما في الماضي، واكتشف أن استقطابه المفرط للسياسة الأمريكية قد قوض نفوذه في اللحظة الأكثر احتياجاً إليه.

في خضم هذا الصراع، يطرح السؤال الأثقل: من يمثل النخبة حقاً؟ التيار الترامبي يرى نفسه نقيض النخبة، يتهم التقليديين بالخيانة والابتعاد عن الشعب، لكنه في الوقت نفسه يُنتج نخبة جديدة من المستشارين والسياسيين المؤيدين له. وفي الطرف الآخر، يصر نيكولز وأنصاره على أن النخبة الحقيقية هي من تمثل القيم الجمهورية القديمة: الخبرة، المؤسسات والتحالفات.

لكن المشكلة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أفسدت القدرة الأساسية على التوقف والتفكير، كما يقول نيكولز، وحوّلت المواطنين إلى أطفال مفتونين بصور ملونة، كل يبحث عن كبش فداء في النخب بدلاً من أن ينظر في المرآة ويسأل نفسه: أي وطن نريد؟ وأي حزب نستحق؟ ثم إن نيكولز لا يكتفي بنقد الترامبية الآنية، بل يمتد نقده إلى الجذور البعيدة، فيرى أن المشكلة بدأت في التسعينيات حين قررت القيادة الجمهورية أن "أهم شيء هو الفوز"، حتى لو كان الثمن هو التفريط بالمبادئ، وهنا يكمن الجرح الأقدم والأعمق: عندما تصبح الغلبة هي القيمة العليا، يصبح أي فوز مشروعاً، وأي اتفاق مهما كان مذلاً يتحول إلى مناسبة للاحتفال في حديقة البيت الأبيض، وكأن النصر الوهمي لا يُصنع في ساحات المعارك، بل في غرف الإعلام وفي خطابات التنصيب التي تغلف الهزيمة بجمل منمّقة.

وهكذا يكون المشهد الدرامي قد اكتمل: إيران فرضت معادلاتها في الميدان وعلى طاولة المفاوضات، وترامب يصنع نصراً وهمياً من استسلام حقيقي، والحزب الجمهوري ممزق بين نخب تخاف على مبادئها وسياسيين يتشبثون بكراسيهم، واللوبي الصهيوني يكتشف أن نفوذه الذي راهن عليه لعقود لم يعد كافياً لاحتواء التحولات العميقة، وأن صمود إيران لم يهزم المشروع العسكري الأميركي فحسب، بل أحدث شرخاً في النسيج السياسي للحزب الجمهوري قد يستغرق سنوات للتعافي، وأفقد اللوبي الصهيوني قدرته على التحكم بخيوط اللعبة. فبات الحزب ممزقاً بين واقع إيراني صلب، ورئيس يحاول صنع نصر من هزيمة، ولوبي يكتشف أن استقطابه للسياسة الأمريكية قد قوض نفوذه في اللحظة الأكثر احتياجاً إليه.

وفي هذا الرثاء، يظل صوت نيكولز، ذلك الأكاديمي الذي حوّل خيبته في حزبه إلى نصوص حارقة، شاهدا على أن أمريكا التي كانت تؤمن بالخبراء وبالتحالفات وبالدور القيادي لم تمت بعد، لكنها تحتضر في زمن يصر على أن كل الآراء متساوية، وأن الجهل فضيلة، وأن النصر قد يكون هزيمة، وأن أكثر الاحتفالات بهجة قد تكون وليدة أكثر الاستسلامات مرارة، وأن الحزب الذي يفقد بوصلته لا يجد أمامه سوى الرقص على أنقاض مبادئه، وصناعة النصر الوهمي من رماد الهزيمة الحقيقية.

0% ...

آخرالاخبار

وزير الخارجية القطري: التصعيد بأي مكان بالمنطقة سواء في لبنان أو غيره سيؤثر على المفاوضات الإيرانية الأميركية


وزير الخارجية القطري: ستكون هناك نقاط خلافية كثيرة في المفاوضات بين واشنطن وطهران وهناك أطراف تريد تخريب التفاوض


صادقي: إذا لم تُؤمَّن حقوق الشعب الإيراني في ساحة التفاوض فإن الشعب الإيراني سينتزعها في الميدان


صادقي: نثق بمفاوضي البلاد لكننا لا نثق بأميركا وأعداء الثورة ومستكبريها أدنى ثقة


ممثل قائد الثورة في حرس الثورة حاجي صادقي: الجمهورية الإسلامية تدخل المفاوضات من موقع العزة والاقتدار


قائد مقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي : لن نفاجأ بأي تحرك معادٍ


بزشكيان: اليوم تتربع إيران على صدارة الأخبار العالمية ويُذكر اسم البلاد بكل عزة وخير


الرئيس الإيراني: نرى أنفسنا ملزمين بدعم القوات المسلحة التي سطرت الفخر للبلاد


بزشكيان: تمر علاقاتنا مع الجيران اليوم بوضع جيد ويمكن للناشطين الاقتصاديين الاستفادة من هذه الفرص المتاحة


بزشكيان: في أي موضع يحاولون فيه تجاهل حقوق الشعب لن نتراجع ولن ننحني أمام الأطماع والمطالب التوسعية