فاللقاء الأخير بين صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق والوفد الإيراني الرفيع برئاسة الدكتور محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية الدكتور عباس عراقجي لم يكن مجرد محطة بروتوكولية، بل عكس مجددا حجم الثقة السياسية المتبادلة بين مسقط وطهران، والدور الذي باتت تؤديه السلطنة باعتبارها شريكا موثوقا وفاعلا في معادلات الأمن الإقليمي.
تدرك سلطنة عُمان أن موقعها الجغرافي عند الضفة الجنوبية لمضيق هرمز لا يمنحها فقط أهمية استراتيجية، بل يفرض عليها مسؤولية سياسية وأمنية استثنائية.
كما تدرك إيران أن أي مقاربة واقعية لأمن الخليج الفارسي لا يمكن أن تتجاوز الدور العُماني أو تتجاهل خصوصية العلاقة بين البلدين.
ومن هنا جاءت هذه العلاقة لتتجاوز الحسابات الظرفية نحو شراكة استراتيجية قائمة على فهم عميق لموازين القوى ومصالح المنطقة.
على مدى عقود، تمكنت مسقط من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران حتى في أكثر الفترات توترا بين إيران وجيرانها أو بينها وبين الغرب.
ولم يكن ذلك انحيازا إلى طرف على حساب آخر، بل ترجمة لنهج سياسي عُماني يرى أن الحوار ليس خيارا تكتيكيا بل ضرورة استراتيجية.
وقد أثبتت الأحداث أن الكثير من الأزمات التي وصلت إلى طريق مسدود وجدت في العاصمة العُمانية نافذة للحوار ومساحة للبحث عن التسويات.
وتكتسب الزيارة الإيرانية الأخيرة أهمية إضافية لأنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع ملفات البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة البحرية والتوازنات العسكرية في المنطقة مع متغيرات دولية متسارعة.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد جلالة السلطان دعمه للمفاوضات الإيرانية الأمريكية يعكس رؤية عُمانية راسخة مفادها أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من خفض التوتر بين القوى المؤثرة في المنطقة، وأن البديل عن التفاهم هو مزيد من الأزمات التي سيدفع الجميع ثمنها.
كما أن البيان المشترك بين السلطنة وإيران حمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الفني المتعلق بالملاحة البحرية. فالاتفاق على مواصلة الحوار بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز يؤكد أن مسقط وطهران تسعيان إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء أطر تعاون مستدامة.
وهو توجه يعكس إدراكا مشتركا بأن أمن المضيق لا يمكن أن يبقى رهينة التوترات السياسية أو المواجهات العسكرية، بل يجب أن يستند إلى تفاهمات واضحة تضمن مصالح الدول المشاطئة وتحافظ في الوقت ذاته على انسيابية التجارة الدولية.
ومن الناحية الجيوسياسية، تنظر إيران إلى سلطنة عُمان باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على فهم تعقيدات المشهد الإيراني والأكثر قبولا لدى مختلف الأطراف الدولية.
وفي المقابل، ترى عُمان في استقرار إيران عنصرا مهما لاستقرار الإقليم بأكمله، وهو ما يفسر حرصها المستمر على تشجيع الحلول السياسية وتجنب سياسات العزل أو التصعيد.
لقد أثبتت التجارب أن السياسة العُمانية القائمة على التوازن والاعتدال ليست مجرد شعار دبلوماسي، بل خيار استراتيجي ناجح مكّن السلطنة من بناء شبكة واسعة من الثقة الإقليمية والدولية.
ومن هنا فإن العلاقة مع إيران لا تُقرأ فقط في إطار العلاقات الثنائية، بل في إطار رؤية عُمانية أشمل تسعى إلى جعل الحوار أداة لإدارة الخلافات وحماية الأمن الجماعي في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية.
اليوم، وبينما يواجه الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني، تبدو العلاقات العُمانية الإيرانية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي ليست مجرد علاقة جوار جغرافي أو تعاون ثنائي، بل تمثل ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي، ونموذجا لإمكانية بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل في بيئة تعج بالصراعات.
ولهذا فإن الرسائل التي حملتها زيارة الوفد الإيراني إلى مسقط تتجاوز حدود البلدين، لتؤكد أن الدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها عُمان ما زالت قادرة على صناعة الفارق في أكثر الملفات تعقيدا وحساسية.
* بقلم.. حيدر زيبرم