وقد تجلّى ذلك بوضوح في أربع رسائل وجّهها إليهم في مناسبات مختلفة، حملت رؤيته لدور الشباب في مواجهة التحديات السياسية والثقافية، وبناء مستقبل أكثر عدلاً ووعياً. هذه الرسائل لم تكن مجرد خطابات سياسية فحسب، بل دعوات فكرية وأخلاقية تحثّ الشباب على التفكير المستقل، وفهم واقعهم، والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل مجتمعاتهم.
رسالة إلى الشباب العرب
في إحدى رسائله التي وجّهها إلى الشباب في العالم العربي، خاطب الشهيد خامنئي هذه الفئة بوصفها الأمل الذي تعقد عليه الشعوب العربية مستقبلها. فقد أكّد أن المرحلة الراهنة تضع مسؤولية كبيرة على عاتق الشباب، داعياً إياهم إلى الاستعداد لبناء غدٍ تنعم فيه بلدانهم بالحرية والتقدم والاستقلال.
وفي هذه الرسالة انتقد السياسات التي انتهجتها بعض الحكومات العربية، معتبرًا أن الخضوع للهيمنة الأمريكية، وعدم اتخاذ موقف حازم من الاحتلال الصهيوني، والدخول في صراعات مع الإخوة والتقرّب إلى الأعداء، قد جعل هذه الحكومات عدوة لشعوبها. ومن هنا دعا الشباب العرب إلى تحمّل مسؤولية إلغاء هذه المعادلة الباطلة.
كما ركّز في رسالته على أهمية بناء الشخصية لدى الشباب، مؤكدًا أن المستقبل سيكون لمن يعمل على بنائه منذ اليوم. وحثّهم على التحلّي بالأمل والابتكار والعمل، وعدم الخوف من هيمنة القوى الكبرى، بل الثقة بوعد الله والاعتماد على الإرادة والإيمان.
كذلك أشار إلى قضية فلسطين بوصفها قضية مركزية، داعيًا إلى نصرة الشعب الفلسطيني المقاوم، ومؤكدًا أن الدفاع عنه يشكّل خطوة مهمة في طريق تحرير المنطقة من الهيمنة والظلم.
ثلاث رسائل إلى الشباب في الغرب
إلى جانب رسالته إلى الشباب العرب، وجّه الشهيد خامنئي ثلاث رسائل إلى الشباب في أوروبا وأمريكا الشمالية، كان أشهرها ما عُرفت بعنوان "رسالة لك". وقد جاءت هذه الرسائل في سياق تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في الغرب، خصوصاً بعد العمليات الإرهابية التي ارتكبتها جماعات تكفيرية مثل تنظيم داعش، وما تبعها من حملات إعلامية ربطت الإسلام بالعنف.
في الرسالة الأولى، التي صدرت في يناير 2015، دعا الشباب الغربي إلى عدم الاكتفاء بالصورة التي تقدّمها وسائل الإعلام عن الإسلام، بل البحث عنه من خلال مصادره الأصلية. وطرح في هذه الرسالة مجموعة من الأسئلة التي تهدف إلى تشجيع الشباب على التفكير النقدي تجاه الروايات السائدة عن الإسلام والمسلمين. كما ذكّرهم بتاريخ الحكومات الغربية المليء بالحروب والاستعمار والتمييز العنصري، داعياً إلى قراءة هذا التاريخ بموضوعية لفهم جذور الأزمات المعاصرة.
أما الرسالة الثانية، التي جاءت بعد أحداث باريس عام 2015، فقد اعتبر فيها تلك الحوادث الإرهابية مناسبةً للتفكير المشترك في ظاهرة العنف والإرهاب في العالم. وبعد أن أشار إلى نماذج مؤلمة من آثار الإرهاب الذي يضرب بعض بلدان العالم الإسلامي، وإلى الحروب والعمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، دعا الشباب الغربي إلى بناء علاقة صحيحة ومنصفة مع العالم الإسلامي، تقوم على المعرفة الحقيقية والرؤية العميقة. وأكّد في هذه الرسالة أيضاً ضرورة أن يتعرّف الشباب على الإسلام من خلال القرآن الكريم وسيرة النبي محمد ﷺ، بعيداً عن الصور النمطية التي تقدّمها بعض وسائل الإعلام أو التي تُنسب إلى الجماعات المتطرفة.
أما الرسالة الثالثة فكانت مختلفة من حيث السياق، إذ وُجّهت إلى طلاب الجامعات في الولايات المتحدة الذين نظموا تجمعات واحتجاجات دعماً للشعب الفلسطيني، اعتراضاً على الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد أحداث "طوفان الأقصى". وفي هذه الرسالة عبّر الشهيد خامنئي عن تضامنه مع هؤلاء الطلاب، واعتبرهم جزءاً من جبهة الدفاع عن الحق، لأنهم ـ على خلاف مواقف حكوماتهم ـ اختاروا الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ وهو مساندة الشعب الفلسطيني.
كما أشار في رسالته إلى الدعم الذي تقدمه بعض القوى الغربية للكيان الصهيوني، متحدثاً عن دور بريطانيا في تأسيس هذه الكيان، وعن الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة له. وأكّد على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، معتبراً أن ما يقوم به الشباب المتضامن مع فلسطين هو موقف أخلاقي وإنساني يعكس البحث عن العدالة.
وفي ختام هذه الرسالة دعا الشباب الغربي مرة أخرى إلى التعرّف على الإسلام من خلال مصادره الأصلية، ولا سيما القرآن الكريم، مؤكداً أن فهم الإسلام الحقيقي يساعد على إدراك أعمق للقيم التي تدعو إلى العدالة والكرامة الإنسانية.
تفاعل الشعوب مع هذه الرسائل
لم تبق هذه الرسائل محصورة في نطاق الخطاب السياسي أو الفكري، بل لقيت صدى واسعاً في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في العالمين العربي والغربي. فمواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية امتلأت بمدح سلاسة كلام الشهيد خامنئي في النطق باللغة العربية وفخامة مواضيع الرسالة، فمنهم من قاس ذلك بهفوات الحكام العرب في خطاباتهم وبعض نشر فيديو للشهيد خامنئي يزور معرضاً للكتاب ويتباحث مع مسؤول أحد دور النشر حول كتاب "الخبز والشراب" وهو كتاب أدبي من تأليف "اینیاتسیو سیلوني" مؤكداً انه قرأه قبل الثورة. ثم يقاس هذا المشهد، بحضور وزير الداخلية الكويتي فهد يوسف الصباح في معرض للكتاب، حيث قال لمدير أحد دور النشر، انه لم يقرأ أي كتاب في كل عمره!
ثم تُرجمت "رسالة لك" إلى 50 لغة، وانتشرت عبر الإنترنت بشكل كبير، حيث تداولها الشباب في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأثارت نقاشات واسعة حول صورة الإسلام في الغرب ودور الإعلام في تشكيل هذه الصورة.
كما أن الرسالة الموجّهة إلى الطلاب المؤيدين لفلسطين في الجامعات الأمريكية جاءت في لحظة حساسة شهدت احتجاجات طلابية واسعة في عدد من الجامعات الغربية. وقد أدّى نشر هذه الرسالة إلى تفاعلات مختلفة في وسائل الإعلام الدولية، حيث أشارت بعض التقارير إلى أن منشوراً على منصة “إكس” (تويتر سابقًا) مرتبطًا بالرسالة حقق 15 مليون مشاهدة خلال يوماً واحداً من انتشاره.
ومن مظاهر التفاعل أيضاً قيام مجموعة من الشباب البلجيكيين بنشر رسالة ردّ موجّهة إلى آية الله خامنئي، عبّروا فيها عن تأثرهم بمضمون الرسالة ودعوتها إلى العدالة والسعي إلى الحقيقة، مؤكدين اهتمامهم بتعميق فهمهم للإسلام. وقد نُشرت هذه الرسالة بعدة لغات، من بينها الفارسية والإنجليزية والفرنسية والعربية، تحت وسم LETTER4LEADER.
وهكذا تكشف هذه الرسائل الأربع عن محاولة واضحة للتواصل مع جيل الشباب في مناطق مختلفة من العالم، والدعوة إلى بناء وعيٍ قائم على المعرفة المباشرة والحوار، بعيداً عن الصور النمطية والصراعات التي غالباً ما تُفرض عبر السياسة والإعلام.
بقلم: احسان بَرسا