ألف يوم اختزلت معادلة وجودية استثنائية، مفادها أن الإرادة لا تنضب ولا تنكسر، وأن الحق لا يفنى مهما طال جور الزمن.
أولًا: ألف يوم من محرقة الإبادة والدمار الشامل
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنّ العدو الصهيوني، مدعومًا بالولايات المتحدة، عدوانه الوحشي على قطاع غزة، تلك البقعة الجغرافية الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 350 كيلومترًا مربعًا، محوِّلًا إياها إلى ساحة جريمة مفتوحة، على مرأى ومسمع من العالم بأسره.
الإبادة البشرية وسلاح التجويع
سقط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بفعل القصف المباشر وبمختلف أنواع الأسلحة، بما فيها المحرّمة دوليًا، عبر ما يقارب ربع مليون غارة دمّرت الحياة من جذورها.
وإلى جانب القصف، فُرض حصار خانق، واستُخدم التجويع الممنهج ومنع الغذاء والدواء كسلاح قتل بطيء، في جريمة مركّبة لا تقل وحشية عن القصف نفسه.
تدمير الإنسان والمكان
دمّر هذا العدوان الإجرامي أحياءً ومدنًا بأكملها، وأخرج المنظومات الخدمية عن الخدمة، واستهدف المدارس والجامعات والمساجد، بل وحتى المخيمات، ما أجبر نحو 80% من السكان على نزوح قسري متكرر، والعيش في خيام لا تقي حرًّا ولا بردًا، وسط استمرار القصف وانعدام أدنى مقومات الحياة.
ثانيًا: الصمت الدولي المشين والتخاذل العربي المخزي
لم يكن لهذا الجرم أن يستمر ألف يوم، لولا الجدار السميك من التواطؤ والخذلان الذي أحاط بقطاع غزة وسكانه.
سقوط المنظومة الدولية
سقط العالم الإنساني سقوطًا مدويًا، وسقطت معه المنظومة الحقوقية الدولية في فخ ازدواجية المعايير الفاضحة.
تحوّل مجلس الأمن إلى منصة لحماية القاتل عبر “الفيتو” الأمريكي، بينما اكتفت الهيئات الأممية والحقوقية ببيانات قلق عاجزة، داست القانون الدولي تحت أقدام مصالح كبار القتلة وصنّاع الإرهاب.
طعنة الخذلان العربي
وقفت بعض الأنظمة العربية ومؤسساتها الرسمية موقف المتفرّج المتواطئ، وقدّمت العجز في العلن والدعم في الخفاء، دون أن تنجح إداناتها أو قممها في كسر حصار أو إدخال شاحنة غذاء واحدة.
في المقابل، استمرت جسور التطبيع والعلاقات التجارية مع الاحتلال من بعض العواصم، وتماهت وسائل إعلام عربية مع سردية المعتدي، ليُترك أكثر من مليونين ونصف المليون فلسطيني في حالة يُتمٍ وغربة سياسية مطلقة.
ثالثًا: ألف يوم من الصمود الأسطوري والتصدي البطولي
في المقابل، أثبتت المقاومة الفلسطينية أنها الصخرة الصمّاء التي تتحطم عليها كل الأطماع الاحتلالية والمؤامرات الخبيثة.
وحدة الساحات وإرادة تتجاوز المستحيل
شكّلت وحدة الساحات الإيمانية لمحور المقاومة، من إيران إلى اليمن ولبنان والعراق، رافعةً استراتيجية مكّنت غزة من تجاوز قوانين المادة والتكنولوجيا المتقدمة، وكتابة ملحمة صمود وثبات على المستويين الشعبي والتكتيكي.
الشعب… شريك النصر
رفض الأهالي، خصوصًا في شمال القطاع، التهجير، وتمسّكوا بركام بيوتهم.
ابتكروا من العدم وسائل للبقاء، فطحنوا أعلاف الحيوانات بدل القمح، وتحملوا الجوع والمرض بتكافل اجتماعي نادر، جسّد أسمى معاني الأخوّة والالتحام الشعبي.
الإعجاز الميداني للمقاومة
بعد ألف يوم، أثبتت المقاومة أنها عصيّة على السحق، فأدارت حرب استنزاف عالية الكفاءة، واعتمدت على التصنيع العسكري المحلي داخل الأنفاق، ونفّذت كمائن نوعية حيّدت الأهداف الاستراتيجية للاحتلال، وحوّلت غزة إلى مقبرة لآلياته وجنوده.
خلاصة القول:
إن ألف يوم في غزة لم تكن مجرد زمن عابر، بل كانت مصفاة تاريخية كبرى فرزت المواقف، وعرّت زيف الحضارة الغربية المنافقة، وفضحت بعض الأنظمة العربية المتصهينة.
خسر العالم في غزة إنسانيته وشعاراته، بينما ربحت غزة، بدمائها وصمودها، صكّ الكرامة والخلود، مؤكدة أن إرادة الشعوب صاحبة الحق أقوى دائمًا من جبروت الطغيان وحديد الطائرات.
بقلم.. طوفان الجنيد كاتب سياسي يمني