منذ أن تابعت مشاهد وداع السيد الشهيد علي خامنئي وأفراد أسرته، لم تغادرني قصيدة محمود درويش: “أيها المارون بين الكلمات العابرة”. ظل مطلعها يلاحقني، حتى أدركت أن ذهني كان يعقد مقارنة بين صنفين من البشر: أولئك الذين يمرون بين الكلمات العابرة، وأولئك الذين يكتبون الكلمات الراسخة بدمائهم، فتتحول من حروف على الورق إلى حياة في ضمير الأمم.
الفارق بين الفريقين ليس في طريقة الموت، بل في معنى الحياة. فهناك من يبني مستقبلاً لأجياله ولو دفع ثمن ذلك عمره كله، وهناك من يسرق مستقبل أجياله ليحفظ حاضره. الأول يترك أثراً، والثاني يترك ظلاً سرعان ما يتبدد.
كان بإمكان السيد الشهيد، كما يرى أنصاره، أن يقبل عشرات العروض الإقليمية والدولية التي كانت كفيلة بالحفاظ على حياته وحياة أسرته، لكنه اختار طريقاً آخر؛ طريقاً يراه امتداداً لنهج آل بيت الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. لم يكن، في هذه الرؤية، مستعداً لأن يجعل الحياة ممراً إلى النجاة الشخصية إذا كان الثمن هو التنازل عن المبدأ. وكما كانت في سيرة جده القدوة الحسنة، أراد أن تبقى القدوة ممتدة: سيداً في أثر سيد، يحمل الراية جيلاً بعد جيل.
أما من أصدر قرار استهداف الإمام الشهيد، فقد قرأ المشهد بعين الكلمات العابرة. ظن أن الرصاصة تستطيع أن تنهي الفكرة، وأن الجسد إذا غاب غابت الرسالة. لكنه لم يدرك أن هناك كلمات لا تُكتب بالحبر، وإنما تُكتب بالدم، وأن كل حرف منها يتحول مع الزمن إلى تاريخ، وكل موقف منها يصبح مدرسة، وكل تضحية منها تصنع أمة.
لقد علمتنا صفحات التاريخ أن القوة قد تنتصر في معركة، لكنها لا تنتصر دائماً في الذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ أسماء الأقوياء بقدر ما تحفظ أسماء أصحاب المواقف. ولهذا يبقى السؤال الحقيقي: من الذي يبقى؟ ومن الذي يعبر؟
كربلاء لم تكن، في الوجدان الإسلامي، مجرد واقعة عسكرية انتهت في يوم عاشوراء، بل كانت بداية حكاية لم تنته منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. بقي صوت الإمام الحسين، وبقيت كلماته، وبقيت رايته، وبقيت عبارة “هيهات منا الذلة” تتردد في وجدان الملايين. أما الذين وقفوا في الجهة الأخرى من المعركة، فقد ابتلعهم التاريخ، ولم يذكرهم إلا عرضاً، كلما اقتضت الحاجة إلى تذكير الناس بأن الباطل، مهما علا صوته، لا يملك البقاء.
ومن هذه الزاوية، يرى كثيرون أن كربلاء العصر الحديث لن تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل بما ستتركه في الوعي، وما ستغرسه في نفوس الأجيال المقبلة. فالتاريخ كثيراً ما يعيد نفسه، لا في تفاصيل الأحداث، وإنما في سننه؛ حيث تتحول الدماء إلى كلمات، والكلمات إلى عقيدة، والعقيدة إلى مسيرة لا تتوقف برحيل أصحابها.
ولعل السنوات المقبلة ستكشف أن ما بدا اليوم نهاية، لم يكن سوى بداية أخرى. فالكلمات الراسخة لا تموت بموت قائلها، بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد غيابه. أما الذين ظنوا أنهم صنعوا النصر بمجرد إسكات صوت خصومهم، فسيجدون أنفسهم، مع مرور الزمن، مجرد أسماء هامشية في هوامش الكتب، يُشار إليها على عجل، ثم تمضي كما يمضي العابرون بين الكلمات العابرة.
ويبقى الفرق، في نهاية المطاف، بين من يمرون في التاريخ، ومن يصنعون التاريخ؛ بين من تبتلعهم الأيام، ومن تتحول أيامهم إلى ذاكرة أمة