من النجف الأشرف، مدينة العلم والفقه، وحاضرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث تترسخ القيم الكبرى وتضيق المسافات أمام وحدة الموقف والمسؤولية، تتصاعد بين الحين والآخر حملات إعلامية تسعى إلى بث الشائعات وإثارة البلبلة، في محاولة للإيحاء بوجود خلافات داخل الحوزة العلمية بشأن مَن يتقدم لإمامة الصلاة على جثمان الراحل الكبير، القائد الشهيد السيد علي الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه).
وفي مواجهة هذا الضخ الإعلامي المتعمد، وانطلاقًا من مسؤولية الكلمة وواجب بيان الحقيقة، لا بد من وضع الأمور في نصابها الصحيح، بعيدًا عن المبالغات والتأويلات التي تتغذى عليها منصات الإثارة وصُنّاع الفتن.
إن النجف الأشرف، بحوزتها العلمية العريقة ومقامها الديني الراسخ، أكبر من أن تُختزل في روايات متعجلة، أو تُستدرج إلى سجالات مصطنعة؛ فهي مدرسة امتدت قرونًا في صناعة العلماء والفقهاء والمفكرين، وتربّى في رحابها رجال حملوا همَّ الأمة ووحدتها قبل أي اعتبار آخر.
ومن يعرف النجف حق المعرفة يدرك أن علماءها ومراجعها ومشايخها وساداتها ينتمون إلى مدرسة واحدة في الجوهر والرسالة، هي مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، القائمة على نصرة الحق وصيانة وحدة المؤمنين. لذلك، فلا معنى لمحاولات تصوير التباين الطبيعي في الآراء أو المواقع على أنه انقسام أو صراع، ولا مكان لمنطق الاصطفافات الضيقة في فضاء تشكلت هويته على أساس العلم والتقوى وخدمة الدين.
إن الجهات التي تروّج لهذه المزاعم لا تعكس واقع النجف بقدر ما تكشف عن أزمة في فهمها لطبيعة هذه المؤسسة الدينية العريقة. فكل محاولات النفخ في أوهام الانقسام تصطدم بحقيقة راسخة لا تقبل التشكيك، وهي أن وحدة الموقف أكبر من الأشخاص، وأن قدسية المناسبة أعظم من أن تُستغل في صناعة عناوين مثيرة أو مكاسب إعلامية عابرة.
والحقيقة التي يعرفها أبناء النجف قبل غيرهم هي أن المحراب واحد، والسجادة واحدة، والمصاب واحد. وأيًا يكن العالم أو السيد أو الشيخ الذي يتقدم لإمامة الصلاة، فإنه لا يمثل نفسه فحسب، بل يمثل هذا الامتداد العلمي والإيماني العريق، ويجسد روح الوحدة التي تجمع أبناء الحوزة العلمية تحت راية واحدة وقضية واحدة.
لقد اعتادت النجف أن تكون سدًا منيعًا في وجه محاولات التفريق، ومنارةً تهدي إلى الحكمة حين تضطرب الأصوات، ومرجعًا للوحدة حين تتكاثر دعوات الانقسام؛ ولذلك فإن جميع حملات الإرجاف ستبقى عاجزة عن اختراق هذا البناء المتين الذي شُيّد على الإيمان والعلم والتاريخ.
ومن النجف الأشرف نقول للجميع: ستبقى النجف كما عرفها التاريخ، قلعةً للوعي، ومنارةً للحق، وحصنًا للوحدة الإسلامية، لا تنال منها الشائعات، ولا تهزها حملات التضليل، ولا تنجح في تفكيك صفوفها أبواق الفتنة، مهما ارتفع ضجيجها.
فالنجف أكبر من الإرجاف، وأرسخ من الشائعات، وأبقى من كل محاولات التزييف.