وبحسب صحيفة ذا غارديان أرسل يومها (الديكتاتور) بينيتو موسوليني برقية قبل النهائي قال فيها للبعثة في باريس: Vincere o morire أي الفوز أو الموت، ولاحقًا نفى اللاعب بيترو رافا في مقابلة عام 2001 مضمونها قائلًا: “لا، لا، لا، هذا غير صحيح. لقد أرسل برقية يتمنى لنا فيها التوفيق، لكنه لم يقل أبدًا الفوز أو الموت”، مع الإشارة إلى أن موقع إنسايد فيفا، التابع للاتحاد الدولي لكرة القدم، أورد في تقرير عن تلك المباراة تصريحات الحارس المجري أنتال سابو بقوله: “ربما استقبلت شباكي أربعة أهداف، لكنّني على الأقل أنقذت حياة أحد عشر رجلاً”. يومها كان العالم على أبواب حرب عالمية ثانية وكانت الصراعات السياسية على أشدها، وكان الفوز بالبطولة يعني الكثير للقادة السياسيين الإيطاليين.
في العام ١٩٧٨ استضافت الأرجنتين بطولة كأس العالم حيث استخدم النظام الحاكم فوز الأرجنتين بالبطولة كأداة دعائية ضخمة لتعزيز شرعيته وإلهاء الشعب في ظل أزمة قمع سياسي داخلية. اتهامات بالتلاعب بالنتائج وشكوك دولية حول نزاهة تأهل الأرجنتين للنهائي بعد فوزها المثير للجدل على بيرو (6-0)، وسط أحاديث عن صفقات سياسية ورشاوى. ووثقت تقارير وشهادات الحضور المباشر (للديكتاتور) خورخي فيديلا داخل غرف ملابس اللاعبين، في رسائل اعتُبرت تهديدًا مبطنًا للاعبين، وساد الاعتقاد بأن لاعبي المنتخب الهولندي قد تعرضوا للتهديد إذا ما فازوا على الأرجنتين في المباراة النهائية.
ويُذكر أيضًا تآمر ألمانيا والنمسا على الجزائر في بطولة كأس العالم عام ١٩٨٢ وإخراجها من الدور الأول، كإشارة إلى العنصرية الأوروبية ضد الدول العربية الأفريقية، وفي نفس السياق تُذكر قصة الجمل في كأس العالم 1982 التي تعود إلى المنتخب الكويتي الذي تأهل للمونديال لأول مرة في تاريخه وخلال التصفيات، رفع جمهور نيوزيلندا لافتات مسيئة تطالب الكويتيين بالعودة إلى جمالهم، ورداً على ذلك، جعلت الكويت “الجمل” تميمة الحظ لمنتخبها.
نعود لكأس العالم الحالية حيث أصبحت الأمور أكثر رُقيًا حتى في حالات التلاعب لفوز أو خسارة بعض المنتخبات، فقد رافقت البطولة أحاديث كثيرة حول توجيه نتائج المباريات لصالح منتخب الأرجنتين، واللاعب ليونيل ميسي بالتحديد، خصوصًا بعد مباراتهم مع مصر وما رافقها من جدل تحكيمي، وبدأ الحديث عن إعطاء كأس العالم هذه السنة للأرجنتين، لكن اللافت هو ذلك التحشيد السياسي الصهيوني والدعم العلني لقادة العدو للمنتخب الأرجنتيني حيث استغلوا فوز الأرجنتين على مصر للتعبير عن فرحتهم وتشجيعهم للأرجنتين بشكل غير مسبوق.
وكعادة القادة الصهاينة في سرقة جهود الآخرين خصوصًا في الموضوع الاجتماعي والعلمي، فقد لاحت لهم فرصة لتسجيل انتصار وهمي يمكن استغلاله أمام العالم وتغيير الصورة التي لزمتهم طيلة السنوات الماضية، وهي صورة القتل الإجرامي والتدمير، فتعددت تصريحات ومواقف القادة الصهاينة الداعمة لمنتخب الأرجنتين، حيث استقبل نتنياهو السفير الأرجنتيني وتسلّم قميص المنتخب، وصرح قائلًا: “أنا لا أخفي أنني أشجع الأرجنتين، وغالبية مواطني (إسرائيل) يشجعون الأرجنتين بسبب مواقف خافيير ميلي (رئيس الأرجنتين) الذي أحدث ثورة في علاقات بلاده معنا”.
أما بتسلئيل سموتريتش وزير المالية فعلّق على فوز الأرجنتين على إنجلترا في نصف النهائي بالقول: “كل (إسرائيلي وطني) يشجع الأرجنتين، هيا يا أرجنتين!”. وفي منشور آخر سخر من قرار بريطانيا منعه من دخول أراضيها معتبرًا فوز الأرجنتين: “هدفين دخلا الشباك بشكل رائع”.
وأعلن إيتامار بن غفير وزير الأمن القومي دعمه الكامل للمنتخب الأرجنتيني عبر منصات التواصل، وربط التشجيع بالسياسة قائلًا: “نحب من يحبون إسرائيل، هيا يا أرجنتين”.
كما بعث جدعون ساعر وزير الخارجية رسالة دعم عبر منصات التواصل يطلب فيها من الرئيس الأرجنتيني: “جلب الكأس الرابعة” لمنتخب التانغو. وأعلن ميكي زوهار وزير الثقافة والرياضة رغبته الشديدة في تتويج ميسي ومنتخب الأرجنتين بلقب كأس العالم.
ارتبطت هذه المواقف بالتحالف الوثيق مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، نظرًا لسياساته الداعمة لتل أبيب، وتعهده بنقل سفارة بلاده إلى القدس، بالإضافة إلى اتخاذ هذه المباريات طابعًا سياسيًا في ظل التوترات مع دول أخرى مثل إسبانيا التي اتخذت مواقف صريحة ضد القتل والإجرام الصهيوني في غزة ولبنان.
هذه المواقف الصهيونية رافقتها على مواقع التواصل حملة مضادة نشرت صور ميسي يلبس القلنسوة اليهودية أمام حائط المبكى، كذلك صور له مع الزعماء الصهاينة، ما شكّل حالة نفور من قبل ملايين الناس في العالم أجمع، لكن الموقف الأقسى كان من الجماهير العربية والإسلامية التي تخلّت عن تشجيع الأرجنتين وميسي، ومالت نحو تشجيع إسبانيا بسبب مواقفها المؤيدة لغزة، كما ظهر ذلك جليًا في المتابعة للإعلام البرازيلي الذي استغل تأييد الصهاينة للأرجنتين وميسي فشن حملات عنيفة على مواقفهم من المجازر في غزة، هذا عدا عن العداء التاريخي الكروي بين البرازيل والأرجنتين، فيما حال الجماهير حول العالم عبّر عنه المثل البرازيلي “كان قلبي مشطور إلى نصفين، نصف يتمنى فوز إسبانيا، ونصف يتمنى خسارة الأرجنتين”.
مرة جديدة فشل القادة الصهاينة في تنظيف صورة كيانهم المجرم أمام العالم، بل وجرّوا معهم الأرجنتين وميسي إلى مستنقع الكراهية والانعزال، فكان فوز إسبانيا ضربة قاضية على مشروعهم الذي روجوا له. فقد وحدّت المباراة النهائية شعوب العالم حول إسبانيا، وكانت قلوب مئات الملايين تهتف دعمًا لهم لمواقفهم العادلة من القضية الفلسطينية، فيما انفردت الأرجنتين بدعم الكيان الصهيوني الغاصب لها.
ربحت إسبانيا كأس العالم، كما ربحت محبة قلوب مئات الملايين من المستضعفين حول العالم الذين ضاقوا ذرعًا بعنجهية واستكبار وعتو الصهاينة، فيما خسرت الأرجنتين الكأس، ووضعت اسمها إلى جانب نظام الإرهاب والقتل والإجرام في الكيان الغاصب.
بقلم الكاتب والباحث اللبناني: د. أحمد حوماني