دراسة قانونية: كيف شاركت دول المنطقة في الحرب على إيران؟

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦
٠٨:١٢ بتوقيت غرينتش
دراسة قانونية: كيف شاركت دول المنطقة في الحرب على إيران؟ د احمد مسعد.... استاذ في القانون الدولي

اعترافات قائد القيادة المركزية الأميركية وتقارير غربية تكشف شبكة من القواعد والمعلومات والدعم العسكري… وخبراء يرون أن تسهيل الهجوم قد يرتب مسؤولية قانونية دولية.

لم تكن الضربات الأميركية و"الاسرائيلية" على إيران معزولة عن المحيط الجغرافي الذي انطلقت وعملت فيه القوات المهاجمة. فخلف الطائرات والصواريخ التي استهدفت الأراضي الإيرانية، ظهرت شبكة إقليمية واسعة من القواعد العسكرية والمطارات والمجالات الجوية ومراكز القيادة ومنظومات الرصد والإنذار المبكر.

وتكشف إفادات رسمية أميركية، إلى جانب تقارير نشرتها وسائل إعلام غربية، أن خمس دول في المنطقة والأردن أدت أدواراً متفاوتة في العمليات العسكرية ضد إيران، تراوحت بين حماية القوات الأميركية وتبادل المعلومات الاستخبارية وتوفير القواعد والخدمات اللوجستية، وصولاً إلى تقارير تتحدث عن تنفيذ السعودية والإمارات ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية.

ولا تتوافر حتى الآن أدلة علنية تثبت أن جميع الدول المذكورة شاركت في قصف إيران مباشرة، لكن ما ظهر من اعترافات أميركية يضعف رواية «الحياد» التي تبنتها بعض الحكومات، ويفتح الباب أمام أسئلة قانونية وسياسية تتعلق بمسؤولية الدول التي سمحت باستخدام أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية في العمليات العسكرية.

اعتراف أميركي بمشاركة هجومية ودفاعية

جاء أبرز الاعترافات على لسان قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، خلال إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي.

ففي شهادته المكتوبة، تحدث كوبر عن شركاء إقليميين شاركوا في «عمليات هجومية ودفاعية ضد إيران» خلال العملية العسكرية الأميركية. ولم يسمِّ في هذه الفقرة الدول التي تولت المهمات الهجومية، إلا أن استخدامه لهذا التعبير أكد أن دور الشركاء الإقليميين لم يقتصر على الدفاع عن أراضيهم.

وفي شهادته الشفهية، سمّى كوبر الإمارات والبحرين والكويت وقطر والسعودية، إلى جانب الأردن و”اسرائيل”، باعتبارها أبرز الدول التي ساعدت القوات الأميركية خلال الحرب.

وقال إن خمس من دول المنطقة كانت «حرفياً جنباً إلى جنب» مع الولايات المتحدة، وإنها شاركت في تنفيذ مهمات وحماية القوات والمواطنين الأميركيين، وليس فقط في الدفاع عن أراضيها.

وعند حديثه عن الأردن، ذهب كوبر إلى أبعد من ذلك، قائلاً إن ما حققته القوات الأميركية خلال العمليات ما كان ممكناً من دون المملكة الأردنية.

أما “اسرائيل”، فخصّها كوبر بعبارة أكثر وضوحاً، إذ قال إنها الدولة التي نفذت الولايات المتحدة الضربات معها.

ويشير هذا التمييز إلى أن كوبر لم يعلن صراحة أن جميع الدول العربية المذكورة شاركت في القصف المباشر، لكنه أكد أنها كانت جزءاً من البنية العسكرية التي عملت إلى جانب القوات الأميركية وساهمت في نجاح العمليات.

قواعد ولوجستيات ومعلومات استخبارية

خلال جلسة مجلس الشيوخ، تحدث أعضاء في اللجنة عن مساهمات إقليمية شملت إتاحة القواعد العسكرية، وتقديم الخدمات اللوجستية، وربط شبكات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية.

ولم يعترض كوبر على هذا التوصيف، بل أكد أن الدول التي سمّاها قدمت دعماً مهماً للقوات الأميركية.

وتشمل الخدمات اللوجستية، عادة، تزويد الطائرات بالوقود، والصيانة، ونقل الذخائر والمعدات، وإيواء الجنود، وتأمين المطارات والموانئ، وتوفير ممرات العبور للطائرات والسفن العسكرية.

أما التعاون الاستخباري، فقد يشمل مراقبة التحركات العسكرية، ورصد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحديد مواقع الدفاعات الجوية، ومشاركة بيانات الرادارات والأقمار الصناعية، وتقديم معلومات تساعد على تحديد الأهداف أو حماية القوات المهاجمة.

ولا تثبت هذه العناصر منفردة أن كل دولة شاركت في اتخاذ قرار الحرب، لكنها تظهر أن الهجوم الأميركي–ال”اسرائيل”ي اعتمد على بنية عسكرية إقليمية لا يمكن تشغيلها من دون موافقة الدول المضيفة أو تعاون أجهزتها العسكرية والأمنية.

السعودية: تقارير عن ضربات سرية

بعد إفادة كوبر، ظهرت معلومات أكثر خطورة بشأن الدور السعودي.

فقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين غربيين وإيرانيين أن القوات الجوية السعودية نفذت ضربات سرية داخل إيران في أواخر آذار/مارس 2026،.

وقالت المصادر إن هذه العمليات مثلت أول ضربات سعودية مباشرة معروفة داخل الأراضي الإيرانية، وإن الرياض أبلغت طهران بها عبر قنوات دبلوماسية.

يعني أن مشاركة الرياض انتقلت من استضافة القوات الأميركية وتوفير الدعم العملياتي إلى تنفيذ هجمات عسكرية مباشرة داخل إيران.

الإمارات: عشرات الغارات وفق تقارير غربية

أما الدور الإماراتي، فقد تناولته صحيفة وول ستريت جورنال في سلسلة من التقارير التي تحدثت عن تنفيذ الإمارات ضربات سرية داخل إيران.

وأشارت الصحيفة إلى أن إحدى هذه العمليات استهدفت منشأة نفطية في جزيرة لاوان الإيرانية، قبل أن تنشر لاحقاً معلومات عن تنفيذ عشرات الغارات الجوية الإماراتية خلال الحرب.

وبحسب المصادر التي استندت إليها الصحيفة، جرى تنفيذ هذه العمليات بالتنسيق مع الولايات المتحدة و”اسرائيل”، واستمرت بعض الضربات حتى الفترة التي تلت الإعلان عن وقف إطلاق النار.

الأردن: الدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه

تبرز حالة الأردن بصورة خاصة بسبب العبارة التي استخدمها كوبر، عندما أكد أن نجاح العمليات الأميركية كان مستحيلاً من دون عمّان.

ويستضيف الأردن قوات ومنشآت عسكرية أميركية، كما سبق أن استخدمت أراضيه لنشر طائرات وأنظمة دفاع جوي وقدرات عسكرية موجهة لمراقبة المجال الجوي الإقليمي.

ولم يوضح كوبر بصورة تفصيلية طبيعة المهمات التي قدمها الأردن، إلا أن وصفه للدور الأردني بأنه لا غنى عنه يشير إلى مساهمة تتجاوز الدعم الرمزي أو السياسي.

وقد تشمل هذه المساهمة، وفق طبيعة الانتشار العسكري الأميركي في المملكة، السماح باستخدام القواعد، واستقبال الطائرات، وتوفير ممرات جوية، وتشغيل منظومات الإنذار المبكر، والمشاركة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحماية القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

البحرين ومراكز القيادة البحرية

تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس الأميركي والقيادة البحرية المركزية، اللذين يشرفان على عمليات القوات البحرية الأميركية في المنطقة وبحر عُمان والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي.

وتوفر المنشآت الموجودة في البحرين قدرات القيادة والسيطرة والاتصال والدعم اللوجستي للقوات البحرية الأميركية.

ولا يثبت وجود مقر القيادة في البحرين وحده أن هجوماً محدداً على إيران انطلق منها، لكنه يعني أن جزءاً مهماً من إدارة العمليات البحرية الأميركية في المنطقة يتم من الأراضي البحرينية.

وفي حال استخدام هذه البنية في دعم الحملة العسكرية على إيران، تصبح مسألة علم الحكومة البحرينية بطبيعة العمليات وحدود موافقتها عليها عنصراً أساسياً في تحديد المسؤولية.

قطر والكويت والقواعد الأميركية

تستضيف قطر قاعدة العديد الجوية، التي تعد من أبرز مراكز القيادة الجوية الأميركية في الشرق الأوسط، بينما تستضيف الكويت قوات وقواعد ومستودعات ومراكز إمداد تستخدمها القوات الأميركية في عملياتها الإقليمية.

وتؤدي قاعدة العديد دوراً محورياً في القيادة والسيطرة الجوية والمراقبة وتنسيق الطلعات العسكرية، في حين تمثل الكويت مركزاً لوجستياً مهماً لنقل القوات والمعدات والذخائر.

وقد تحدثت تقارير صحفية عن رفع قيود كانت مفروضة على استخدام بعض القواعد والمجالات الجوية خلال العمليات العسكرية.

ولا تعني استضافة قاعدة أجنبية تلقائياً أن الدولة المضيفة مشاركة في كل عملية تنفذها القوات الموجودة داخلها، إلا أن الأمر يختلف عندما تسمح الحكومة باستخدام القاعدة أو المجال الجوي أو المياه الإقليمية في هجوم محدد ضد دولة ثالثة.

هل يكفي فتح الأجواء لاعتبار الدولة مشاركة؟

من الناحية القانونية، لا تقتصر المشاركة في الحرب على إطلاق النار أو القصف المباشر.

فتقديم التسهيلات الضرورية للعملية العسكرية، مثل السماح باستخدام القواعد والمطارات والموانئ والمجال الجوي، قد يجعل الدولة مساهمة في الفعل، خصوصاً إذا كانت تعلم مسبقاً أن هذه التسهيلات ستُستخدم لشن هجمات على دولة أخرى.

وتنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، باستثناء حالات الدفاع المشروع عن النفس أو العمليات التي يجيزها مجلس الأمن.

كما يعتبر تعريف العدوان، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 3314، أن سماح دولة باستخدام أراضيها من قبل دولة أخرى لارتكاب عدوان على دولة ثالثة يمكن أن يشكل أحد صور العدوان.

ويشمل مفهوم الإقليم في هذا السياق الأرض والمجال الجوي والمياه الإقليمية والمنشآت الخاضعة لسيطرة الدولة.

وبذلك، فإن الدولة التي تسمح بانطلاق الطائرات من قواعدها، أو عبورها مجالها الجوي، أو استخدام موانئها ومياهها لدعم هجوم غير مشروع، لا تستطيع بالضرورة التذرع بأنها لم تشارك لأن الطائرة أو السفينة تحمل علم دولة أخرى.

المساعدة في فعل غير مشروع

تتناول قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً مسؤولية الدولة التي تساعد دولة أخرى على ارتكاب فعل مخالف للقانون الدولي.

وتقوم هذه المسؤولية عندما تكون الدولة المساعدة على علم بظروف الفعل، وتقدم دعماً يسهم بصورة فعلية في تنفيذه.

وقد تشمل المساعدة تقديم معلومات استخبارية، أو توفير القواعد والوقود والذخيرة، أو فتح المجال الجوي، أو إتاحة أنظمة القيادة والاتصال والمراقبة.

لكن إثبات المسؤولية القانونية يحتاج إلى معلومات دقيقة عن طبيعة المساعدة وتوقيتها ومدى تأثيرها وعلم الدولة المضيفة بالعملية العسكرية.

ولهذا تكتسب اعترافات كوبر أهمية خاصة، لأنها لا تتحدث عن استخدام عابر أو غير معلوم للقواعد، بل عن تعاون منظم وعمل «جنباً إلى جنب» مع القوات الأميركية.

الدفاع عن النفس أم الانخراط في الحرب؟

تقول بعض دول المنطقة إن إجراءاتها العسكرية كانت دفاعية، وإنها تدخلت لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وحماية أراضيها وسكانها.

ومن حيث المبدأ، يجيز القانون الدولي للدولة الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح.

لكن هذا الحق يخضع لشروط، أبرزها الضرورة والتناسب، ولا يسمح بتنفيذ أعمال انتقامية غير محدودة أو المشاركة في حرب مفتوحة لا ترتبط مباشرة بوقف الهجوم.

كما أن تعرض دولة لهجوم في مرحلة لاحقة لا يجعل بصورة تلقائية أي دعم قدمته قبل ذلك مشروعاً، ولا يضفي شرعية بأثر رجعي على استخدام أراضيها في بدء العمليات الهجومية.

ولذلك يجب التمييز بين اعتراض صاروخ يستهدف دولة في المنطقة، وبين تقديم معلومات استخبارية لقصف هدف داخل إيران، أو فتح قاعدة جوية لانطلاق طائرات مهاجمة.

قد يكون الفعل الأول دفاعياً مشروعاً، بينما يثير الثاني مسؤولية قانونية إذا كان الهجوم الأصلي مخالفاً لميثاق الأمم المتحدة.

سقوط رواية الحياد اذ تكشف اعترافات كوبر أن الحرب على إيران لم تجرِ بقدرات أميركية و”اسرائيل”ية فقط، بل اعتمدت على شبكة إقليمية من القواعد والدفاعات الجوية والمعلومات والخدمات العسكرية.

وحتى في غياب اعتراف رسمي بتنفيذ دول عربية ضربات مباشرة، فإن إتاحة الأرض والأجواء والمنشآت العسكرية لدعم عمليات هجومية تجعل رواية الحياد موضع شك جدي.

فالدولة المحايدة لا تضع عادة قواعدها ومعلوماتها ومنظوماتها الدفاعية واللوجستية في خدمة أحد أطراف الحرب، ولا تشارك في مهمات يصفها قائد عسكري أميركي بأنها هجومية ودفاعية.

ولا يعني ذلك أن المسؤوليات القانونية والسياسية متساوية بين جميع الدول، لكنها ترتبط بحجم مساهمة كل دولة، ومدى علمها، وطبيعة التسهيلات التي قدمتها.

وتبقى الحقيقة الكاملة رهناً بالكشف عن سجلات الطيران، ومسارات الطائرات، وأوامر العمليات، واتفاقيات استخدام القواعد، والمراسلات بين القيادة الأميركية والحكومات المضيفة.

لكن ما أصبح واضحاً هو أن الهجوم على إيران لم يكن عملية عسكرية منفصلة عن المنطقة، بل حرباً استفادت من الأراضي والأجواء والبنية العسكرية العربية، وأن بعض الدول التي أعلنت رسمياً أنها بعيدة عن المواجهة كانت، وفق الاعترافات الأميركية، موجودة داخل غرفتها العملياتية.

0% ...

آخرالاخبار

قوات الاحتلال تقتحم بلدتي زيتا واكتابا في محافظة طولكرم شمالي الضفة الغربية


الخارجية الإيرانية تستدعي القائم بالأعمال الأوكراني


انباء عن وقوع حدث امني في العاصمة العراقية بغداد


غارة إسرائيلية تستهدف النبطية الفوقا جنوبي لبنان


مصادر عبرية: أنباء أولية عن وقوع عملية طعن في حاجز قلنديا شمال مدينة القدس.


مصادر سورية: دورية للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في منطقة المعكر غربي قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة جنوب البلاد


استشهاد فلسطيني متاثراً باصابته إثر قصف إسرائيلي بالقرب من شارع 5 بمدينة خان يونس


الاحتلال يزعم تحطم طائرة مسيرة بالقرب من منزل بن غفير


قوات الاحتلال تقتحم مخيم عايدة للاجئين شمالي محافظة بيت لحم


محافظ إيلام: أكثر من 500 ألف شخص عبروا منفذ مهران الحدودي للمشاركة في مراسم الاربعين منذ بداية شهر صفر


الأكثر مشاهدة