تشرق الشمس على هذا الكون، فيستضيء النهار بضيائها، لكن شمس الحقيقة الأعظم إنما أشرقت يوم أن وُلد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ يومَ أن تمخض الدهر عن ليلةٍ ليست كالليالي، وانشق فيها حجب الظلمات التي أطبقت على البشرية زماناً طويلاً، حين كانت الدنيا تتسكع في غياهب الجهالة، وترسف في أغلال الطاغوت والكفر، وتنحني جباهاً شريفةً لأحجارٍ لا تسمن ولا تغني من جوع، فجاء هدى الله ونوره الساطع، ليكون حجةً على العالمين، وسراجاً منيراً تهتدي به الأرواح المذعنة لرعشة الشوق الإلهي.
قال عز وجل في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب: 45-46]؛ فكان ذلك السراج هو البداية الحقيقية لتاريخ الإنسانية، وهو العروة الوثقى التي انتشلت العباد من عبادة العباد، وصفدت أوهام العبودية لغير الخالق، لترتقي بهم إلى رحاب عبادة رب العباد، حرةً خاشعةً طاهرة.
وحين تهبّ على الأمة نسائم ذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448 هجرية، تتفتح أزهار الإيمان في القلوب، ويتجدد العهد الذي أخذته الأرواح على نفسها بأن تظل متمسكة بهذا النور الإلهي الخالد، وتتراءى لعيون المشتاقين تلك اللحظات التاريخية العظيمة التي زُلزلت فيها أركان الظلم، وتنزل أمين الوحي جبريل عليه السلام بالرسالة الخالدة، مستوحاةً من فوق سبع سماوات، لتكون منهج حياةٍ، وسلماً يعرج به المؤمنون نحو الكمال الإنساني.
وقد تجسدت تلك الفرحة العظيمة والنظر البليغ في كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال واصفاً تلك اللحظة التي غيرت مجرى التاريخ:
وُلِـدَ الـهُـدى فَـالـكـائِناتُ ضِياءُ ... وَفَـمُ الـزَّمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَـلائِكُ حَولَهُ ... لِـلـدّينِ وَالـدُّنـيـا بِـهِ بُـشَـراءُ
وفي هذا الصدد يتحدث التاريخ بكثير من البهجة والخشوع عن ذلك الرعيل الأول وتلك القلوب التي امتلأت بمحبة الرسول الأعظم، حتى غدت ألسنتهم تلهث بمدحه واستلهام سيرته النيرة، كما قال حسان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
وأحسنُ منك لم تر قط عيني ... وأجملُ منك لم تلد النساءُ
خلقتَ مبراءً من كل عيبٍ ... كأنك قد خُلقتَ كما تشاءُ
وفي هذه الذكرى المباركة الخالدة، يتجلى اليمن وشعبة بنموذجه الفريد الاستثنائي الذي لا تدانيه أمة، ولا يضاهيه إقليم؛ إذ يتحول هذا البلد الإيماني العريق في كل عام إلى ساحةٍ كبرى للحب الإلهي والولاء المحمدي الأصيل، وتنساب الساحات في كل المحافظات والمدن، بل وتدشن الفعاليات الروحانية حتى على مستوى القرى والحارات الصغيرة، لتتكامل في صورة طوفان بشري هادر، يتدفق ملبياً داعي الله، ومجدداً الولاء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
إن هذا الحضور الخاشع والمهيب في كل عام لهذة الذكرى المحمدية، الذي يملأ البطاح والآفاق بالرايات والتهليلات، يجعل من اليمن النموذج الأول بلا منازع على مستوى الأمة الإسلامية والعربية قاطبةً في الاهتمام والاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة، مجسدين الحديث النبوي الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»، لتترجم هذه الحكمة وهذا الإيمان الراسخ إلى حركةٍ وجدانية وثقافية تشهد بها الساحات، وتنبض بها القلوب.
إن الغاية الأسمى والأجلّ من هذا الاحتفاء الروحاني المهيب لا تقف عند حدود إظهار الفرح والبهجة الفطرية، بل تتجاوز ذلك لتغرس في نفوس الجيل الجديد معاني المحبة الصادقة والإخلاص المطلق للنبي الخاتم منقذ البشرية؛ فالمولد النبوي هو محطة إيمانية تتزود منها الأجيال بقبس الاقتداء بسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والتزام توجيهاته وخطاباته وأحاديثه الشريفة التي رسمت معالم الحق، وحذرت من سبل الضلال.
إن إحياء هذه المناسبة هو إحياء لشعائر الله، واستجابة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وهي فرصة سنوية متجددة للعودة إلى الكتاب الكريم، القرآن العظيم، وتطبيقه في واقع الحياة، لتكون الأمة بحق أمةً قرأنية مرتبطة بتعالم السماء، تسير في ضوء الفرقان، وتستمد قوتها وعزتها من كتاب الله وسنة نبيه وآله الطاهرين، متأسيةً بخاتم النبيين وسيد البشرية جميعها، ليبقى نوره ممتداً في أرجاء الوجود، يضيء ظلمات العقول، ويشفي صدور قوم مؤمنين.