عاجل:

سرَاجُ الْوُجُودِ وَطُوفَانُ الْوَلَاءِ: الْيَمَنُ فِي مَحْرَابِ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشريف

السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
٠٦:٥٧ بتوقيت غرينتش
سرَاجُ الْوُجُودِ وَطُوفَانُ الْوَلَاءِ: الْيَمَنُ فِي مَحْرَابِ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشريف
بقلم..نبيل الجمل

تتضاءل الأزمان وتتلاشى العصور، وتبصُر الدُّنا ليلها الطويل وهو ينسحبُ ذليلاً أمام طليعةِ الفجر السرمدي؛ يومَ أن تنفّست الأرض أريجَ المولدِ المحمديِّ الأقدس، فأشرقت بجلالها شمسُ الحقيقةِ الكبرى التي أزاحت حُجُبَ العماية، وهتكت أستارَ الجهالةِ التي أطبقت على أفئدةِ البشريةِ دهرًا داهسًا. لقد كان العالمُ قبل استهلالِ هذا النورِ الإلهيِّ يتسكعُ في غياهبِ الطاغوت، ويغطُّ في سباتِ الكفر، وتُعفَّرُ فيه الجباهُ الشريفةُ أمام أوثانٍ صمّاء لا تملكُ لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، حتى انبثق الفجرُ الناظمُ لربيعِ الأرواح، مبعوثًا بالرحمةِ المهدام، وسراجًا ساطعًا تُنتزعُ به الأفئدةُ من ظلماتِ الشركِ إلى نورِ التوحيدِ الخالص.

جسّد الحقُّ جلّ وعلا هذه العظمةَ السرمديةَ في أبهى صورِ البيانِ حين خاطب نبيه الأعظمَ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]؛ فكان ذلك المبعثُ النبويُّ المباركُ نقطةَ التحولِ الأعظم في تاريخِ الوجود، والمِعراجَ الذي ارتقى بالإنْسِ من ذلِّ عبوديةِ العباد، وأغلالِ الأهواء، إلى ملكوتِ حريةِ العبادةِ لربِّ العباد، خشوعًا وانقيادًا لربِّ السمواتِ والأرض.

ومع حلولِ نسائمِ هذه الذكرى الخالدةِ لعام 1448 هجرية، تفيضُ القلوبُ بشوقٍ خاشعٍ لليومِ الذي امتدت فيه يدُ العنايةِ الإلهيةِ لتنتشلَ العالمَ من الضياع، يومَ أن هبطَ أمينُ الوحيِ جبريلُ عليه السلام بالرسالةِ السماويةِ القادمةِ من عرشِ الرحمٰن، منهجًا يتأسى به السالكون، ونورًا يهدّمون به صروحَ الباطل. ولقد سكَب الشُّعراءُ زُلالَ أرواحهم في محرابِ هذا العشقِ المحمدي، فجرى لسانُ أميرِ الشعراءِ أحمد شوقي بطلاقةِ البيانِ الشادي:

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالـكـائِناتُ ضِياءُ ... وَفَـمُ الـزَّمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَـلائِكُ حَولَهُ ... لِـلـدّينِ وَالـدُّنـيـا بِـهِ بُـشَـراءُ

وهل يُطاولُ هذا المدحَ إلا ما فاض به قلبُ شاعرِ الرسولِ حسانَ بنِ ثابتٍ، حين استبدت به مهابةُ النورِ الخاتمِ فقال:

وأحسنُ منك لم تر قطُّ عيني ... وأجملُ منك لم تلدِ النساءُ
خُلِقْتَ مُبرَّءًا من كلِّ عيبٍ ... كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ

وفي هذا الفلكِ الروحانيِّ المضيء، يبرزُ اليمنُ الأشمُّ بنمذَجتِه الإيمانيةِ النادرةِ التي تعلو كلَّ وصف، مستعيدًا أمجادَ نُصرتهِ الأولى، ومجسدًا أسمى معاني الولاءِ والوفاء لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلا كاد يدخلُ هذا الموعدُ الإلهيُّ حتى تشتعلَ اليمنُ بمدنها، وقراها، وحاراتها، ووديانها، كأنها قلبٌ واحدٌ ينبضُ بتسابيحِ العشقِ النبوي. وتتحولُ المحافظاتُ كافةً إلى مروجٍ خضراء ورائحةٍ زكيةٍ تزفُّ التدشيناتِ والفعالياتِ في كلِّ زاويةٍ وركن، لتصبَّ في النهايةِ داخلَ الساحاتِ الكبرى كطوفانٍ بشريٍّ هادر، تترددُ فيه أصداءُ التهليلِ والتكبيرِ والصلوات.

إن هذة المشاهدَ الخاشعَة المهيبَة في كل عام يضعُ اليمنَ في صدارةِ الأمةِ الإسلاميةِ والعربيةِ بلا منازع، كأنموذجٍ رائدٍ يفيضُ تعظيمًا وإجلالاً لمقامِ خاتمِ النبيين، ومصداقًا ساطعًا للحديثِ النبويِّ الشريفِ عن الرسول الأعظم: «الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»؛ حيث تتجسدُ هذه الحكمةُ في الربطِ الوجدانيِّ بين الأمةِ ورمزِ عزها ووجودها.

إن الغايةَ المحوريةَ من هذا التدشين والحشدِ الإيمانيِّ المتعاظمِ ليست مجردَ مظاهرَ احتفاليةٍ عابرة، بل هي صياغةٌ روحيةٌ للأجيالِ الناشئة، وغرسٌ لغراسِ المحبةِ الخالصةِ والإخلاصِ المطلقِ للرسولِ الأعظمِ وآلهِ الأطهار. إنه استلهامٌ لخطاباتِه، واقتداءٌ بسيرتهِ العطرة، وتطبيقٌ عمليٌّ لتعاليمهِ المستمدةِ من الوحىِ الإلهي؛ لتبقى الأمةُ مرتبطةً بالقرآنِ العظيم، حيةً بآياته، ومستضيئةً بفرقانه، تجسيدًا لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وهكذا يظلُّ المولدُ النبويُّ الشريفُ في اليمنِ مدرسةً متجددةً لبثِّ روحِ العزةِ والكرامة، والتمسكِ بسبيلِ هدايةِ سيدِ البشريةِ أجمعين، صلى الله عليه وآله وسلم.

0% ...

آخرالاخبار

اللواء رضائي: سنُجري تحولات في إدارة الحرب والدبلوماسية والقضايا السياسية والاجتماعية، وستدخل قدرات جديدة إلى الساحة


اللواء رضائي: تأثير وحدة الشعب الإيراني في مواجهة العدو لا يقل عن تأثير منصات إطلاق الصواريخ


اللواء رضائي: الأميركيون خانوا المفاوضات والدبلوماسية وتوقيعاتهم


النائب الأول لرئيس البرلمان الإيراني: لن نسمح بفرض الوصاية على الخليج الفارسي


اللواء رضائي: سنُجري بالتأكيد تغييرات في أسلوب إدارة الحرب


اللواء رضائي: سنوظف تجارب العام الماضي بالمعركة المقبلة وستكون الحرب المقبلة مختلفة عن الحرب المفروضة الثالثة


أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي: سنُجري تحولات في أسلوب إدارة الحرب والقضايا الاجتماعية


عارف: الإرهاب الاقتصادي الأميركي لن يزعزع استقرار إيران


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: لا ننوي تقديم تنازلات أمام العدو ويمكننا أن نحل مشاكلنا بقوة ومنطق ونبذل جهودنا لتحقيق ذلك


السودان على حافة الكارثة: الحرب تطحن الملايين جوعاً ونزوحاً


الأكثر مشاهدة

طهران توثّق ضحايا الإرهاب وتواجه رعاته بالوثائق والأدلة


مصادر فلسطينية: قصف مدفعي عنيف يستهدف المناطق الشرقية من جباليا البلد وحي التفاح شمالي مدينة غزة


سفير إسرائيل لدى واشنطن: "حصلنا على معلومات استخباراتية تؤكد أن تركيا ستوسع تواجدها في سوريا".


أوليانوف: سياسة الضغط لن تسمح للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها في إيران


سي إن إن: ترامب يحاول الحفاظ على صورته بعد فشله في إجبار إيران على الاستسلام عبر "الضربات العسكرية" أو دفعها إلى إجراء مفاوضات نووية من خلال مذكرة تفاهم


سي إن إن: إيران مصممة على إذلال ترامب كما فعلت مع كارتر


منظمة الدفاع المدني الايراني: التأهب العام وحماية البنية التحتية من الأولويات


وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت: تغيير النظام في إيران ضرب من الخيال العلمي


قصف مدفعي للاحتلال الإسرائيلي يستهدف تلة علي الطاهر في جنوب لبنان


سماع دوي انفجار في مدينة جسر الشغور غربي إدلب يجري التحقق من طبيعته


روسیا: ايران دولة مستقلة وهي وحدها من تقرر المفاوضات مع اميركا