في ظل مثل هذه المواقف العدائية، يبدو أن الاميركيين والاوروبيين واثقون من ان التلويح بالحرب وقرع طبولها وخلق أجواء نفسية توحي بقربها ضد ايران. لكن كل ذلك لم يثن ايران عن التمسك بتطلعاتها المشروعة، والثبات على مواقفها الشجاعة في ما يرتبط بحماية المصلحة الوطنية العليا، ودعم محور المقاومة بالشرق الاوسط في مواجهة المؤامرة الاستكبارية الغربية – الصهيونية.
فمن الواضح ان اصدار مجلس الامن الدولي (10) قرارات بحق الجمهورية الاسلامية منها (6) قرارات تتضمن عقوبات، لم يحقق مآربه البغيضة على مستوى اضعاف دور طهران الريادي داخلياً وخارجياً. ويعزز هذه القناعة العديد من المعطيات والشواهد العينية، وفي مقدمتها ان الاقتصاد الايراني قائم على قاعدة الاكتفاء الذاتي منذ 33 عاماً، الامر الذي فعّل الكثير من الطاقات الكامنة في طول البلاد وعرضها، والتي تجلت عبر مكاسب وابداعات رائعة ادهشت الاعداء والاصدقاء معاً، في وقت كانت تمنيات واحلام الدوائر الغربية والاقليمية تراهن على استنزاف القدرات والموارد الايرانية جراء هذه العقوبات المنافية لكل القوانين والمعاهدات المتصلة بمؤسسات ماتسمى "الشرعية الدولية" .
كما أن العقوبات الاميركية والاوروبية المتتالية كانت باعثا على اقتحام طهران ميادين علمية وتقنية وصناعية، لم تكن واردة ضمن الخطط الخمسية للبلاد، بيد ان الضغوط والموانع الغربية، وضعت العلماء والخبراء والمبدعين الايرانيين وجها لوجه أمام تحدي الاستقلال وتحرير البلاد من قيود الاحتكارات العالمية، وخلق المنجزات الواحدة تلو الاخرى وبمواصفات لاتقل قوة ودقة ومتانة عن مثيلاتها في العالم الغربي. ومن المؤكد ان توصل طهران الى العلم النووي السلمي ودخول نادي عالم الفضاء، وتفوقها المشهود في التحكم بتفاصيل الحرب الالكترونية، كل ذلك لايدع مجالاً للشك في ان العقوبات الاميركية و الاوروبية، قد انحرفت بنتائجها الانتقامية لفائدة الجمهورية الاسلامية، عوضا عن اخضاعها وكسر ارادتها وتجفيف مواردها وفقا لما كانت تشتهي مخططات الاستكبار العالمي.
في غضون ذلك يعترف المراقبون الغربيون بأن "العقوبات ضد ايران لن تنجح" ويؤكد ذلك ما كتبه (ايفن ايلاند) في ال (واشنطن تايمز) حين اعلن ان فعالية القيود الاقتصادية هذه تتآكل بمرور الزمن، موضحا أن مثل هذه العقوبات نادراً ما تنجح بل من المشكوك فيه ان تؤتي اكلها بفرض المزيد منها ضد طهران.
وفي المقابل فان الجمهورية الاسلامية التي تواجه حملات غربية سياسية واقتصادية شعواء ، ليست في وضع يجعلها مكتوفة الايدي أو مغلوبة على أمرها، فالخيارات التي بحوزتها تؤهلها للرد على الضغوط الخارجية، بعقوبات أشد، لاسيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار تحذير ايران الصريح باغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي في حال تعرض صادراتها من النفط والغاز للحظر والمقاطعة، وقد حذر الكاتبان (ديفيد راندول) و (دونالد ماكينتاير) في صحيفة الانديبندنت البريطانية من مغبة تصعيد التوتر بصورة اكبر مع طهران، وبخاصة بعد اغتيال العالم النووي الشهيد مصطفى احمدي روشن.
على ان تأجيل اميركا والكيان الاسرائيلي لمناوراتهما العسكرية المسماة (التحدي الصارم 12) الى النصف الاخير من العام الميلادي الجديد (2012) بعد ما كان المقرر اجراؤها في مارس المقبل، يعطي مؤشرا آخر على توجس واشنطن وتل ابيب من عواقب التصعيد الاستفزازي ضد طهران، ويعزز هذه الحقيقة اعلان وزير الحرب الصهيوني ايهود باراك ايضا عدم وجود اية نوايا اسرائيلية للحرب على ايران.
في ضوء ذلك كله فان المعطيات والدلائل القائمة، تؤكد حقيقة واحدة وهي ان حرب الحظر الاقتصادي والضجيج الاعلامي، لن يؤخر المسيرة الايرانية المتسارعة باتجاه قطع اشواط اكبر وامضى على مستوى دفع عجلة التطور والاكتفاء الذاتي لبلوغ طهران قمما اخرى ، ربما لا تخطر على بال العقل الغربي ، مع التأكيد على ان الاقتصاد الايراني، هو اقتصاد متماسك ومتشعب وغني بل ومعطاء ايضا وان محاولة تجفيف جذوره ليست سوى مجرد اوهام خرفة واحلام عصافير.
حميد حلمي زادة?