عاجل:

العلاقات السورية- الروسية: ظرفية أم استراتيجية؟

الخميس ١١ أبريل ٢٠١٩
٠٦:٣٠ بتوقيت غرينتش
العلاقات السورية- الروسية: ظرفية أم استراتيجية؟ تتهمّ مراكز تحليل عربية وأجنبية متنوّعة، روسيا باستعدادها للتخلي عن دورها في سورية مقابل أيّ تحسّن نوعي في علاقاتها مع كلّ من تركيا و»إسرائيل». ويرون أيضاً أنّ تقارباً روسياً – أميركياً حول تقاسم السيطرة بينهما حصرياً أو مع الصين في إطار ثلاثية دولية يعطي النتيجة نفسها فيتراخى الدور الروسي في سورية على الفور.

إنّ مشكلة هذه التحليلات أنها ذات طابع نظري قابلة للسقوط عند مناقشها عملياً، فتصبح غير قابلة للتطبيق.. صحيحٌ أنّ العلاقات بين الدول تقوم على المصالح كما تقول النظرية السياسية الإنكليزية منذ قرنين تقريباً.. والتي تضيف بأن لا علاقات ثابتة، وتتحرك بالتالي في اتجاه حركة المصالح فتندفع للتطابق معها وتتعارض حيناً آخر.. عند ولادة مصالح أكثر أهمية في أمكنة متناقضة.

هذا هو البُعد الذي يسيطر على العلاقات بين الدول منذ القرن السابع عشر، مع استثناءات بسيطة لدول ايديولوجية كالاتحاد السوفياتي سقطت وهي تقاوم نظرية المصالح.

إنّ التسليم بهذه الآلية التي تحكم العالم حالياً، يتطلب تفسيرها. فالمصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية واقتصادية تضرب في شتى المجالات لإدراك أهدافها. أيّ أنها ليست مجرد تحسين في الاستفادة الاقتصادية لمرة أو مرتين وينقضي الأمر… فهي بناءات تجمع بين الاستفادة من السياسة والاستراتيجيا والعلاقات الثقافية والاجتماعية.. هذا ما تطبّقه الدول ذات الوزن الكبير… فها هي الولايات المتحدة الأميركية تسيطر على 800 قاعدة عسكرية منتشرة في بقاع الأرض وتقدّم تسهيلات لنشر اللغة الانكليزية والأفلام والدعايات الخاصة بالترويج لملبسها ومآكلها. وتدعم قوى سياسية موالية لها داخل البلدان على حساب قوى أخرى.

وهذه آليات لا تزال أوروبا تفعل مثلها منذ قرون عدة. وابتدأت الصين بمحاكاتها منذ عقود عدة.

لذلك فإنّ تحقيق المصالح الدولية لا يمارس على طريقة «بائع جوّال» يضرب «ضربته التجارية» ويرحل إلى جغرافيا أخرى فيها ضربات جديدة خاطفة.. لقد أصبحت البراغماتية بناءات مترابطة بين السياسة والتاريخ والثقافة والاقتصاد والاستراتيجيا.

فهل ينطبق هذا الأمر على العلاقات السائدة حالياً بين روسيا وسورية؟

هذه علاقات لها تاريخ عميق وترقى إلى خمسينيات القرن الماضي… وكانت تتعامل مع المصالح بعقلية حاجات الاتحاد السوفياتي إلى مواقع استراتيجية في الشرق الأوسط تطلّ على البحار الدافئة في مواجهة الإمبراطورية الأميركية، مقابل دعم الدولة السورية بالسلاح والاقتصاد، والسياسة. لكن الطابع السياسي ظلّ طاغياً عليها، حتى 1990.

وجنحت هذه العلاقات نحو التراجع لعقدين من الزمن بدءاً من الانهيار السوفياتي وحتى نهاية عهد الرئيس الروسي السابق يلتسين التي اتسمت بانكفاء داخلي وضعف، وتراجع الدور العالمي الروسي… وكان طبيعياً انعكاس هذا التراجع على العلاقات مع سورية.

إلا أنّ مرحلة الرئيس الحالي بوتين، سجلت إصراراً على العودة إلى الموقع الدولي.. وبعد النجاح في إجهاض الحرب على روسيا من خلال أوكرانيا الأكثر من مجاورة.. عاد الروسي إلى سورية.. لماذا؟ لأنها قلب البحار الدافئة التي كانت يشتهيها قياصرتهم من كاترينا وبطرس الأكبر وآخرين ويربطون بينها وبين خروجهم من «الأسر» في القطب الشمالي.. وإذا كان الخط البحري الذي حرّروه تاريخياً بالقوة المسلحة من بحار أزوف والأسود ومرمرة وإيجه وصولاً إلى المتوسط أصبح سالكاً أمام بوارجهم.. فهذا لا يكفي لأن معظمهم يقع تحت السيادة التركية.. ما شجّعهم على الاتفاق مع سورية على بناء قواعد جوية وبحرية على الساحل الساحلي. فيصبح لروسيا قوة ثابتة تطل على الداخل العربي من خلال سورية وعلى مقربة من تركيا المليئة بقواعد الناتو الأميركية، ولها عين على كل ما يتحرّك في البحر الأبيض المتوسط. استعاد الروس إذاً من عملية دعم الدولة السورية في الهجوم الإرهابي الأميركي الخليجي – الإسرائيلي عليها، فطوّروا قواعدهم فيها مضيفين عليها قواعد جديدة وبوظائف جديدة، متدّخلين على شكل أضخم قصف جوي منذ الحرب العالمية الثانية، استطاعوا بواسطته، تسهيل مهمة سورية وإيران وحزب الله باكتساح مناطق الإرهاب وتحريرها على مدى في غربي الفرات يصل إلى 120 ألف كيلومتر مربع.

إنّ كلّ الأطراف المتحالفة استفادت من هذا الانتصار وأوّلها الدولة السورية التي حرّرت كامل مدنها الكبرى من حلب وحمص وحماة ودمشق ودير الزور.. وإيران التي أكدت إقليمية دورها وصلابتها في القتال على الأراضي السورية في ظرف تتعرّض فيه لحصار أميركي متواصل منذ ثلاثة عقود وعداء خليجي – إسرائيلي. بدوره حزب الله الذي يجسّد أعلى درجات الالتزام الايديولوجي، مارس جهادية عالية بقتال إرهاب أراد تفتيت المنطقة.

وإذا كان الجيش السوري وحزب الله وإيران يقاتلون ايديولوجيا ضدّ إرهاب تكفيري يستعمله الأميركيون وتحالفاتهم لتدمير سورية وإيران ولاحقاً المنطقة بأسرها، فإنّ لروسيا حسابات استراتيجية، تبدأ من ضرورة حماية الدولة السورية، المتحالفة معها تاريخياً، وذلك كمعبر ضروري وإلزامي لتأمين الدور الروسي في البحار الدافئة، بما يؤدي أيضاً إلى صعود روسيا في التوازنات الإقليمية والدولية.

ولولا الوجود الروسي في سورية لما وصلت إلى فنزويلا، وتؤسّس لعلاقات عميقة مع الكثير من الدول في الشرق الأوسط.. وتحاول جذب تركيا ببيعها سلاحاً وتحويلها معبراً لأكبر أنبوب غاز يمر عبرها إلى أوروبا، وتنظيم علاقات اقتصادية وسياحية عميقة معها. كما أنّ علاقتها بـ»إسرائيل» تتطوّر على وقع حاجة «إسرائيل» إليها في.. سورية.

لذلك لا يمكن أبداً المقارنة أو القياس بين علاقة سورية بإيران وحزب الله ذات البُعد الايديولوجي العميق المستند إلى ضرورة التصدي للنفوذ الأميركي.. بالعلاقات بين روسيا وسورية القائمة على مصالح استراتيجية لطرفيها.. وهذا يعني أنها مستمرة لأنها تلبّي وظائف لا تتراجع.. فروسيا من دون سورية تعود إلى القطب الشمالي.. وهذا لا يعني وجود قدرة تمنعها على تحسين علاقاتها بكلّ من تجده ضرورياً لمشروعها، شرط أنّ لا يتعارض مع السيادة السورية.

أما الرهان الروسي على «إسرائيل».. إذا كان موجوداً، فهو ساقط بالولادة لأن لـ»إسرائيل» علاقات استراتيجية استتباعية بالأميركيين غير قابلة للإلغاء.. وكذلك قد تسوء علاقة الأتراك بالأميركيين لكنها غير قابلة للزوال.. ومن لا يصدق فليذهب إلى قاعدة انجرليك ومثيلاتها..

ضمن هذه الدائرة، تلعب السياسة الروسية.. إنما في إطار الاستفادة من تناقضات تركية – أميركية، مع محاولة تحييد «إسرائيل» في الانتخابات الروسية المقبلة حيث يحوز اليهود الروس على أهمية فيها لكن روسيا تعرف في خاتمة الأمر أن حلفها مع سورية هو امتداد لأمنيات قدماء القياصرة، وضرورة لخروجها إلى قلب العالم.

أما لجهة تنافسها مع إيران، فليس في الأمر منطقية لأن الطرفين مستهدفان تباعاً من النفوذ الأميركي، بما يؤكد ضرورة تحالفهما في مواقع وتنافسهما الطبيعي في مواقع أخرى.

والطرفان الروسي والإيراني يعرفان أنّ سورية هي للدولة السورية التي نجحت بالقضاء على أعتى أنواع الإرهاب المدعوم دولياً بجيشها والتحالفات. لذلك فإن الرهان على خلافات داخل الحلف الواحد، في إطار أحلام العرب الذين ينتظرون عوناً من رب العالمين وهم سكارى.
وفيق إبراهيم - البناء

0% ...

آخرالاخبار

شرط زيلينسكي لوقف استهداف مصافي النفط الروسية


إيران ترسم خطوطها الحمراء: جاهزية للدبلوماسية واستعداد للرد


من سماحة القائد الى التلميذ علي رضا..ما هي قصة الرسالة المتبادلة؟


سفير کیان الاحتلال السابق بواشنطن: "إسرائيل" في طريقها إلى العزلة


فضيحة «الهامر» المسروقة.. جيش الاحتلال يفتح باب العفو عن اللصوص


مقتل إرهابي وإصابة آخرين خلال إحباط هجوم إرهابي جنوب شرق ايران


كيف أرسي القائد السيد مجتبى خامنئي قواعد النصر الشامل وتفوق المقاومة؟


اليمن يطالب الأمم المتحدة بموقف إزاء العدوان السعودي


الجيش الامريکي يتدرب علی المقابر الجماعية


العين الاسرائيلية علی مسار المواجهة بين ايران وامريکا


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: في حال استيفاء الشروط الإيرانية فإن المسار الدبلوماسي سيصبح متاحا


مصادر لبنانية: قوات الاحتلال نفذت تفجيراً في بلدة طلوسة جنوبي لبنان


المرصد السوري: دوي انفجار مجهول في العاصمة دمشق


مصادر فلسطينية: إطلاق نار من آليات الاحتلال على محيط مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة


مصادر فلسطينية: شهيد متأثراً بجروح أصيب بها جراء قصف إسرائيلي استهدف مواصي مدينة رفح جنوبي قطاع غزة قبل أيام


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم عدداً من المنازل والمحالّ التجارية خلال اقتحام قرية عطارة، شمال رام الله


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدات كفر تبنيت وميفدون ووادي الحجير جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: مواجهات بين شبان وقوات الاحتلال خلال اقتحام بلدتي بيت ريما وكفر عين شمال غربي رام الله


زلزال بقوة 4.5 على مقياس ريختر في بندر بوشهر جنوب إيران


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب مدينة جنين


قصف مدفعي إسرائيلي بالتزامن مع إطلاق نار مكثف يستهدف المناطق الشرقية لمدينة غزة