عاجل:

فرصة ضائعة: كيف فشل العرب في استثمار الثورة الإسلامية الإيرانية لصالحهم

الخميس ٠٨ مايو ٢٠٢٥
٠٣:٥٢ بتوقيت غرينتش
فرصة ضائعة: كيف فشل العرب في استثمار الثورة الإسلامية الإيرانية لصالحهم
حين أسقطت الجماهير الإيرانية نظام الشاه في عام 1979، بدا وكأن باباً جديداً قد فُتح أمام الأمة العربية والإسلامية بأسرها. دولة كبرى تخرج من معسكر الهيمنة الغربية، وتعلن وقوفها إلى جانب فلسطين وقضايا الشعوب المستضعفة. كان السؤال حينها: كيف سيتعامل النظام العربي الرسمي مع هذا التحول الاستراتيجي؟ هل سيستثمر سقوط أقوى حليف لـ"إسرائيل" في المنطقة ويوجه التحول الجديد لصالح قضايا الأمة؟ أم سيكرر خيباته التاريخية، ويضع نفسه مجددًا في موقع المعادي لكل مشروع تحرري حقيقي؟ وبعد أكثر من أربعة عقود، تبدو الإجابة واضحة، مليئة بالندم على الفرص الضائعة.

العالم - مقالات وتحليلات

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وسقوط نظام الشاه الذي كان الغرب قد نصبه شرطياً للمنطقة، سقطت معه أهم ركائز النظام الإقليمي الذي كانت واشنطن تعتمد عليه. كان نظام الشاه يمثل نقطة التقاء المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، من خلال شبكة من العلاقات الدبلوماسية والتجارية والعسكرية الوثيقة مع الكيان الإسرائيلي. لكن بقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انقلبت السياسات الإيرانية 180 درجة، حيث خرجت طهران من جميع الأحلاف المعادية للعرب، وعلى رأسها حلف بغداد، لتشكل خطراً حقيقياً على أمن المشروع الصهيوني.

من أولى خطوات الثورة الإسلامية، اغلاق سفارة الكيان الإسرائيلي في طهران، وتحويلها إلى سفارة لفلسطين، وتسليمها لمنظمة التحرير الفلسطينية، لتكون بذلك أول سفارة فلسطينية في العالم. كما كانت إيران أول دولة تعترف بدولة فلسطين في وقت كان فيه النظام العربي الرسمي لا يزال يتعامل مع القضية الفلسطينية بحذر، ولم يرقَ الاعتراف العربي إلى مستوى تأسيس سفارات فلسطينية حقيقية، بل اقتصرت على مكاتب تمثيل رمزية.

في حين كان العرب يتجهون تدريجياً إلى إخراج القضية الفلسطينية من إطارها القومي العربي إلى إطار وطني فلسطيني ضيق، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن فلسطين هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، مانحةً الصراع بعداً دينياً وحضارياً أوسع، وعاملة على تدويل هذه القضية بما يحفظ زخمها على الساحة الدولية. وعندما وقع النظام العربي الرسمي في فخ اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الإسرائيلي، وأسقط البعد القومي للقضية، تصدرت إيران مشهد المواجهة، وتحملت بمفردها عبء استنهاض الشعوب العربية والإسلامية، ودعم حركات الجهاد والمقاومة، التي شكلت لاحقاً حائط الصد الأبرز أمام مشاريع التطبيع والتمدد الصهيوني في الأراضي العربية.

اقرأ ايضا.. بعثة إيران لدى الأمم المتحدة: الحقائق لا تتغير بقرارات البيت الأبيض

كان موقف النظام العربي الرسمي من الثورة الإسلامية انعكاساً كاملاً للموقف الغربي المعادي لها. فبدلاً من احتواء إيران الجديدة، ودعم تحولها من دولة شرطي للغرب إلى نصير لقضايا الأمة، تحركت العواصم العربية الرسمية بدفع من واشنطن ولندن لتطويق الثورة واحتوائها، بل وخوض حرب بالوكالة ضدها عبر دعم النظام العراقي في الحرب الطويلة مع إيران. وقد كان بوسع النظام العربي الرسمي أن يستثمر سقوط الشاه لصالح تحرره من الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، وأن يحول إيران إلى حليف استراتيجي، يؤمن له العمق الشرقي، ويشكل سداً منيعاً أمام كل محاولات الاختراق الغربي للمنطقة. غير أن الحسابات الضيقة، والأوهام المرتبطة ببقاء الأنظمة، منعت هذا الخيار التاريخي.

وفي المقابل، رغم العداء العربي الرسمي، ميزت إيران بين الأنظمة الوظيفية الخاضعة للغرب وبين الشعوب العربية التي تتوق للحرية والوحدة. فكانت الداعم الأول والأساسي للقوى المناهضة للهيمنة الأميركية والإسرائيلية في لبنان والعراق وفلسطين. فقد أسهم الدعم الإيراني في نشوء المقاومة اللبنانية التي استطاعت تحرير جنوب لبنان عام 2000 وإفشال المشروع الإسرائيلي في 2006، وأسهم كذلك في دعم المقاومة العراقية التي منعت تقسيم العراق بعد الاحتلال الأميركي. وفي فلسطين، شكل الدعم الإيراني حجر الزاوية في صمود حركات المقاومة المسلحة، ومنع استكمال مشروع التوسع الصهيوني من النهر إلى البحر.

وفي هذا السياق، راهنت إيران على موقف الشعوب العربية، واستطاعت عبر دبلوماسيتها الشعبية أن تقف في وجه المشاريع الأميركية والغربية والإسرائيلية في المنطقة. عملت طهران على بناء تحالفات غير تقليدية، وسعت لجذب تأييد الشعوب من خلال مواقفها الثابتة ضد الاحتلال الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الغربية، بينما اختار النظام العربي الرسمي الرهان على علاقاته بالغرب، وتبنى سياسة الانفتاح على "إسرائيل" وأميركا، مما جعل العديد من الأنظمة العربية مرتهنة لمشاريع الغرب في المنطقة. هذه الأنظمة أصبحت، للأسف، أداة في يد الغرب لتنفيذ أجندات معادية لقضايا الأمة، بما في ذلك التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وإضعاف الجبهات المقاومة ضد الاحتلالات المختلفة.

لم يكن هذا الدعم مجانياً أو سهلاً. فقد فرضت الولايات المتحدة والغرب والكيان الإسرائيلي "عقوبات" اقتصادية قاسية على إيران، من أجل إرغامها على التخلي عن دعمها لمحور الجهاد والمقاومة. كما تم تأخير مشروعها النووي السلمي، الذي بدأ أصلاً في عهد الشاه بتعاون أميركي، بهدف استغلاله كورقة ضغط لفرض معاهدات حماية على الدول العربية. ومع انتصار الثورة، أصبح المشروع النووي الإيراني يمثل تهديداً حقيقياً للكيان الإسرائيلي، لا للعرب، لكن النظام العربي الرسمي سار في ركب واشنطن، معتبراً إيران خصماً، لا حليفاً طبيعياً في معركة التحرر.

إن فشل النظام العربي الرسمي في استيعاب التحولات الكبرى التي أحدثتها الثورة الإسلامية في إيران، كان ولا يزال واحداً من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في التاريخ الحديث للمنطقة. وبينما مدت طهران يدها لدعم قضايا الأمة، استمر النظام العربي الرسمي في الارتهان للخارج، مغلقاً كل نافذة للتغيير الحقيقي. ولعل الأحداث الراهنة، من فلسطين إلى العراق ولبنان، تشهد بأن مشروع المقاومة الذي رعته إيران منذ انتصار ثورتها لا يزال يشكل الأمل الأبرز في مواجهة مشاريع التبعية والاحتلال، في زمن باتت فيه كثير من العواصم تلهث خلف وهم السلام المذل وصفقات التطبيع.

محمد الصالحي-باحث في العلاقات الدولية والإقليمية من اليمن

0% ...

آخرالاخبار

الأونروا: فرقنا بغزة ترصد زيادة حادة في الإصابات الجلدية والأمراض المنقولة بالمياه ونؤكد الحاجة للسماح لنا بتكثيف الجهود لتلبية الاحتياجات الإنسانية الهائلة


الخارجية الصينية: تزايد الانتشار العسكري الأمريكي بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ يضر بالسلام والاستقرار الإقليميين


الخارجية الايرانية: الوزير عراقجي أطلع نظيره المصري على آخر مستجدات المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة


الخارجية الايرانية: محادثات هاتفية بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره المصري


الخارجية الايرانية: عراقجي أكد التزام إيران بالدبلوماسية لحل القضايا وربط نجاح المسار بجدية وواقعية الطرف الآخر


الخارجية الصینیة رداً على تصريحات روبيو: مطالبة الصين بالانضمام إلى محادثات نزع السلاح النووي أمر غير عادل وغير ممكن حالياً


الخارجية الايرانية: ندين بشدة غارات الاحتلال على لبنان بما في ذلك منطقة البقاع التي أسفرت عن استشهاد وإصابة مدنيين


إصابة بنيران الاحتلال في منطقة العطاطرة غربي بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة


الخارجية الايرانية: ندعو مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للوفاء بواجباته في حفظ السلم والأمن الدوليين


لندن تعلن دعمها للمحادثات بين طهران وواشنطن


الأكثر مشاهدة

السيد الحوثي: زوال الطغيان الصهيوني وعد حتمي


جنيف تستضيف لقاء عراقجي والبوسعيدي قبل استئناف المحادثات النووية


من طاولة التفاوض إلى فوهة البركان: شرق أوسط يُعاد تشكيله على إيقاع الصراع


محادثات أوكرانيا الثلاثية تؤجل إلى مارس… والمكان قيد التحديد


جدة تشهد تحركا عاجلا ضد ضم الأراضي الفلسطينية


وسائل إعلام سورية: قوى الأمن الداخلي السورية تنتشر في أحياء مدينة منبج بريف حلب شمال سوريا


مصادر فلسطينية: زوارق حربية الاحتلال الإسرائيلي تطلق عددا من القذائف قبالة ساحل شمال قطاع غزة


مصادر فلسطينية: جرحى جراء قصف زوارق حربية للاحتلال الإسرائيلي شاطئ بحر السودانية غرب مدينة غزة


"نيويورك تايمز": الزورق الذي تعرض للحادث بالقرب من سواحل كوبا لم يكن تابعا للقوات البحرية الأمريكية أو خفر السواحل


وسائل إعلام سورية: تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء محافظة درعا


نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس: السلطات تراقب حادثة القارب قبالة سواحل كوبا وتأمل ألا يكون الوضع "سيئا للغاية"