لم يكن الغضب الإسرائيلي من مسلسل "صحاب الأرض" مجرد رد فعل عابر، بل عكس حالة ارتباك حقيقية داخل مؤسسات الإعلام في كيان الاحتلال، بعدما وجد نفسه في مواجهة عمل درامي يضع الرواية الفلسطينية في الواجهة، ويخاطب ملايين المشاهدين بلغة إنسانية يصعب تشويهها أو إسكاتها.
وسارعت وسائل إعلام عبرية، من بينها هيئة البث الإسرائيلية والقناة 12 الإسرائيلية، إلى وصف المسلسل بأنه "خطوة سياسية مدروسة"، في محاولة لاحتواء تأثيره المتصاعد، بينما حذرت صحيفة يديعوت أحرونوت من اتساع رقعة متابعته عربياً وحتى داخل کیان الاحتلال، ما يعكس قلقاً من اختراق الرواية الفلسطينية للفضاء الإعلامي الذي طالما احتكرته تل أبيب.
العمل الدرامي، الذي يتناول مأساة العائلات الفلسطينية في غزة بعد حرب 2023، لم يكتفِ بعرض صور الدمار، بل ركز على التفاصيل الإنسانية الدقيقة: طفلة تنتظر اتصالاً من والدها المحاصر، انقطاع كهرباء يحول التواصل إلى معركة يومية، وغارة مفاجئة تقطع الأمل كما تقطع الإشارة. هذه الصورة المركزة للمعاناة وضعت الاحتلال أمام مشهد يصعب تبريره سياسياً أو تسويقه دعائياً.
ويؤكد متابعون أن عنوان المسلسل نفسه "صحاب الأرض" شكل صدمة رمزية، لأنه يعيد تثبيت مفهوم الملكية التاريخية والانتماء الوطني للفلسطينيين، في مواجهة خطاب إسرائيلي يسعى منذ عقود إلى إعادة تعريف الأرض والهوية.
ويرى رئيس "الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني" صلاح عبد العاطي أن الهجوم الإسرائيلي على المسلسل سببه "توثيقه للحقيقة"، مشدداً على أن الدراما حين تتحول إلى أداة توثيق، فإنها تكسر محاولات التضليل الإعلامي. كما أشار أكاديميون إلى أن انزعاج الاحتلال من عمل فني يعكس إدراكه لقوة التأثير الناعم، الذي يتسلل إلى الرأي العام العربي والدولي بعيداً عن لغة البيانات الرسمية.
حالة الإرباك لم تتوقف عند النقد الإعلامي، بل امتدت إلى تحليلات اعتبرت أن المسلسل يندرج ضمن موجة ثقافية تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية في الوعي الجمعي العربي، وتُفشل مساعي طمسها أو اختزالها في أطر أمنية ضيقة.
وهكذا، وجد كيان الاحتلال نفسه أمام معادلة جديدة: دراما عربية تُعيد صياغة المشهد، وتُحرج سرديته أمام جمهور واسع، في مشهد يؤكد أن الرواية الفلسطينية، حين تُروى بصدق، قادرة على إرباك الاحتلال أكثر مما تفعل التصريحات والخطابات التقليدية.