من رحم الركام الذي يحاول المحتل أن يجعله مقبرةً للحق، تشرق فلسطين كل يومٍ كفجرٍ ينبلج من قلب الظلام.
لم تكن غزة يوماً مجرد بقعةٍ جغرافية يُحاصرها الشقاء، بل هي الفكرة التي لا تموت، والمدرسة التي تُعلم الأمة كيف تُصاغ الكرامة بأحرفٍ من دم ونار.
إن الإحصائيات المتصاعدة وشلال الدماء الزكية الذي يروي ثرى غزة والضفة المحتلة ليس شاهداً على الانكسار، بل هو وثيقة العبور نحو التحرير؛ فكل شهيدٍ يسقط ينبت في أرض المجد ألف ثائر، وكل دمغة دمار يتركها العدوان إنما تثبت عجز مدجج بالسلاح أمام شعبٍ يتسلح بالإيمان والأرض.
إن هذا الصمود الإلهي الذي يسطره أبناء فلسطين ومقاومتها الباسلة قد جاوز حدود التاريخ الجغرافي ليصبح أيقونةً للحرية العالمية.
إنهم لا يخوضون معركة استرداد أرضٍ فحسب، بل يكتبون بالبارود والصبر كبرياء الأمة العربية والإسلامية، وينزعون أقنعة الزيف عن منظومةٍ دولية صمتت عن المظلومية وانحازت للمعتدي.
يدرك المرابطون في ثغور غزة، وفي أزقة جنين ونابلس، وفي رحاب القدس الشريف، أن أثمان الحرية باهظة، لكنهم يقفون بثبات كالأشجار التي لا تموت إلا واقفة، يتصدون للمخططات الاستيطانية وهجمات المستعمرين بقلوبٍ يملؤها اليقين بأن المحتل غريبٌ عن هذه الأرض، والأرض تعرف أهلها وتلفظ أعداءها.
ستظل القدس هي البوصلة، وستبقى غزة الحصن المنيع الذي تتحطم على أعتابه كل أحلام الهيمنة والانكسار.
إنها معركة الأجيال التي تتوارث مفاتيح العودة ورايات المجد جيلاً بعد جيل؛ فلن تثني الهامات غارات المعتدين، ولن تكسر الإرادة سلاسل الحصار أو تعنت المفاوضات.
إن المقاومة الشريفة التي فرضت معادلاتها في الميدان تؤكد اليوم للدنيا بأسرها أن زمن الهزائم قد انقضى إلى غير رجعة، وأن النصر المحتوم يولد من قلب الملاحم، ورحيل المحتل بات مسألة وقت، ليشرق شمس الحرية والسيادة الكاملة على كل شبرٍ من أرض فلسطين الأبية.