عاجل:

مقالات وتحليلات..

لماذا لم تستطع الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني؟!

السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٥:٢٩ بتوقيت غرينتش
لماذا لم تستطع الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني؟! د. عدنان منصور - وزير الخارجية والمغتربين والسفير اللبناني الاسبق في طهران

منذ 47 عاماً تحاول الولايات المتحدة بأيّ طريقة كانت الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسه عام 1979 وحتى اليوم. لا غرابة في ذلك، إذ أنّ الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، تجد في التكتلات الدولية والأنظمة السياسية المعارضة لها، تهديداً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في العالم. لذلك كان على واشنطن العمل على احتوائها أو الإطاحة بها مهما كلّف ذلك من ثمن.

إذا ما استعرضنا السلوك السياسي الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية، نجد أن ليس هناك دولة في القارة الأميركية، من المكسيك نزولاً إلى أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية استطاعت أن تفلت من عقوبات الولايات المتحدة الاقتصادية، أو من انقلابات عسكرية، او اضطرابات داخلية دبّرتها المخابرات الأميركية CIA، أو تنفيذ عمليات اغتيال لقادة دول خرجوا عن طاعة واشنطن. هكذا كان الحال مع العديد من رؤساء أميركا اللاتينية الوسطى والجنوبية.

لم تقتصر هذه السياسة على القارة الأميركية بل امتدّت إلى باقي القارات حيث كان للولايات المتحدة النهج ذاته في أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا.

كلّ الأنظمة المناوئة لواشنطن، والرافضة لسياساتها، أسقطتها أميركا الواحدة تلو الأخرى، هكذا كان الحال مع الرئيس جيم رلدس في الأكوادور، وكوامي نكروما في غانا، وعمر نوريغس في بنما، وجاكو بواربنز في غوتيمالا، وأحمد سوكارنو في أندونيسيا، سلفادور الليندي في تشيلي وسيريمافو باندرانايكا في سيرلانكا، وذو الفقار علي بوتو في باكستان ومحمد مصدق في إيران، وتفكيك يوغوسلافيا وغيرها. هذه الأنظمة الرافضة للسيطرة الأميركية، لم تستطع الصمود لسنوات قليلة حتى لقيت حتفها على يد واشنطن. إلا أنّ هناك دولة كانت عصيّة على الولايات المتحدة منذ عهد جيمي كارتر وحتى دونالد ترامب. هذا الأخير اكتنز في داخله كلّ الحقد، والكراهية، والعنف، ضدّ إيران وأصرّ على الاقتصاص منها، والإطاحة بنظامها، وطي صفحة جمهوريتها الإسلامية إلى الأبد.

لكن لماذا استهداف إيران بالذات؟! ولماذا كلّ هذه العقوبات الأميركية القاسية اللاإنسانية بحق شعب، لم يشهد العالم مثيلًا لها؟! كيف صمدت إيران طيلة هذه العقود في وجه أعتى وأقوى قوة اقتصادية وعسكرية ومالية في العالم، دون أن تحقق واشنطن أهدافها ومبتغاها من طهران؟!

أسباب عديدة تدفع بأميركا لحصار إيران، والتخلّص نهائياً من نظامها، وأبرز هذه الأسباب:

1 ـ وجود نظام أيديولوجي رافض ومناهض بالشكل والأساس لسياسة السيطرة، والنفوذ، والحروب، للولايات المتحدة وتدخّلاتها في شؤون دول المنطقة والعالم. لذلك لم تتقبّل واشنطن نظاماً معادياً لها، يؤثر في محيطه، ويشجع دولاً أخرى كي تحذو حذو إيران مستقبلاً.

2 ـ الموقع الجغرافيّ الاستراتيجيّ لإيران يجعلها ممرّ أوراسيا المحكم، ويضعها في الموقع الجيوسياسي الحساس في الشرق الأوسط، وفي وسط آسيا، وعلى مضيق هرمز الذي يشكل أهمية عالمية بالغة. كما تشكل إيران أهمية جغرافية كبرى نظراً لمرور مشروع “الحزام والطريق” في أراضيها، والممتدّ من الصين، وصولاً إلى أوروبا. كما أنّ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران لمدة 25 عاماً، والتي تمنح بكين بموجبها شراء المنتجات النفطية والغازية بأسعار تفضيلية وخصومات مضمونة، تثير حفيظة واشنطن التي تعمل على تحجيم مشروع “الحزام والطريق”، من خلال دعم مشروع رديف له، وهو خط الهند ـ دبي ـ حيفا ـ أوروبا.

3 ـ إيران ثالث دولة في احتياط النفط العالميّ ذي الجودة والنوعية العاليتين، وثاني أكبر احتياط غاز في العالم. ما يجعل أنظار الولايات المتحدة تصب على ثرواتها الاستراتيجية للإمساك بها، أسوة بنفط فنزويلا ودول الخليج الفارسي.

4 ـ حرص الولايات المتحدة الشديد على حماية الدولار، وتسعير النفط بالدولار، وإعطائه قيمة حيوية استراتيجية ترتبط به التجارة العالمية وبالذات قطاع النفط والغاز، والاستثمارات. إنّ أيّ انحراف عن هذا الخط ستواجهه واشنطن بكلّ قوة وحزم. عندما أراد صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، ونيكولاس مادورو في فنزويلا، شراء أو بيع النفط بتنويع العملات الصعبة، او بالعملات المحلية أو بتبادل السلع، كان الردّ الأميركي حاسماً من خلال العمل على الإطاحة بهؤلاء ليكونوا عبرة للآخرين. مصالح أميركا الاقتصادية والتجارية والاستثمارية في العالم خط أحمر غير مسموح لأيّ كان التلاعب به، أو التعرّض له، أو تجاوزه. هذا الأمر ينطبق أيضاً على إيران، حيث لا تقبل واشنطن أن ترى إيران تبيع النفط بعملات خارج إطار الدولار وتغرّد سياسياً، واقتصادياً، وتجارياً، خارج مصالح الولايات المتحدة!

لكن ماذا عن إيران، وكيف استطاعت أن تصمد، وتبني، وتتقدّم في كلّ المجالات، وتواجه الدولة العظمى والغرب معاً، وتقاوم سياستهم وعقوباتهم، وحروبهم على مدى 47 عاماً دون أن تساوم أو تستسلم أو تركع؟! إيران استطاعت رغم العقوبات أن تحصّن نفسها، معتمدة على ذاتها وعلى نخبها العلمية، حيث تزخر بآلاف المبدعين في المجالات الصناعية والزراعية، والعسكرية، والطبية، والبحوثية والصناعات الدقيقة، وأن تمتلك التكنولوجيا النووية.

إيران من بين أغنى دول العالم بالنفط والغاز، والثروات المعدنية، إذ استطاعت أن تستغلّ هذه الموارد بشكل منهجي ومدروس، وإنْ اقتصرت شهرتها على النفط والغاز، وحجب عنها الى حدّ بعيد أهمية ثرواتها المعدنية على المستوى العالمي. عام 2026 نشر المرجع الشامل Mineral Commodity Summaries الصادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية : USGS بيانات عن عام 2025، تشير فيها إلى أنّ إيران من بين أكبر الدول عالميّاً في احتياط معادن النحاس، والحديد والزنك، والجبس، والباريت Barite .عام 2024 كانت إيران أكبر منتج في العالم لـ سترونتيوم Strontium بحصة تقدر بـ 50% من الإنتاج العالمي، والذي يستخدم في مجال الصناعة والأدوية والنظائر المشعّة، و24% من الإنتاج العالمي للحديد المختزل المباشر.

كما تحتلّ المرتبة الثالثة في إنتاج الفلسبار Feldspar المستخدم في صناعة الزجاج والسيراميك، والمقدر بـ 12% من الإنتاج العالم، وهي من كبار المنتجين للموليبدينوم Mulibdinum (صناعة الأدوية) وغيرها من المواد الاستراتيجية كالليثيوم والكوبالت والرصاص. المصادر الأميركية تؤكد أنّ إيران تمتلك احتياطات ذات أهمية عالمية خصوصاً في الفلسبار، والباريت، والجبس، والفلدسبار، وخام الحديد والنحاس، والزنك، والرصاص. مع العلم، أنّ هيئة المسح الجيولوجي الأميركية ضمّت معادن النحاس والليثيوم، والنيكل، والكوبالت، والرصاص، والغرافيت، والموليبدينوم Mulibdinum والزنك، إلى قائمة المعادن الحرجة الأميركية Critical Minerals لعام 2025، وهي معادن تتركّز في دول قليلة في العالم، وهي ضرورية للاقتصاد والأمن القومي والتكنولوجيا، حيث تستخدم في صناعة السيارات الكهربائية والإلكترونيات، والمُسيّرات والصواريخ وأنظمة الدفاع، والطاقة الشمسيّة، والشبكات الكهربائيّة والاتصالات وغيرها.

تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها، أنه إذا ما فك الحصار، وأزيلت العقوبات عن إيران، فإنّ سنوات قليلة ستجعل منها قوة اقتصادية وعسكرية وعالمية، نظراً لما يتوفر لها من مقوّمات النهوض والتقدم والقوة، لأنّ ثروات إيران الطبيعية محاطة بجيش من العلماء، والمهندسين، والباحثين، والمبدعين، والتكنولوجيين، في مختلف المجالات الاقتصادية، والصناعية، والبحثية والعلمية، والعسكرية والنووية، ما يمكّن إيران من الانطلاق بسرعة لتعويض ما فاتها.

هنا تكمن أهمية إيران بالنسبة للولايات المتحدة ولترامب بالذات الذي يريد ترويضها، والقضاء على نظامها بأيّ شكل كان، كي يعيد بعد ذلك عقارب الساعة الى زمن عميلها الشاه محمد بهلوي، ومن ثم وضع اليد الأميركية مجدّداً على نفط إيران وثرواتها، مثل ما فعلت بعد الإطاحة بمحمد مصدق، وقيام الشاه بعد ذلك بإلغاء قانون تأميم النفط.

لكن ما هي عوامل الصمود التي جعلت إيران منذ 47 عاماً أن تكون عصية على واشنطن وحلفائها؟ لعلّ ابرز عوامل الصمود تتمثل بـ:

1 ـ إنّ الشعب الإيراني بالتفافه حول قيادته، وانتمائه الشديد إلى أمته، تحمّل بمسؤولية عالية، وأدرك مسبقاً ما يحصل على الأرض، وما تبيّته القوى الغربية لوطنه، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

2 ـ أنّ إيران ليست نظاماً قائماً على شخص، وإنما هي نظام مؤسسات صلب كالهرم من القمة الى القاعدة. لقد توهّم ترامب وغيره انه باغتيال قائد الثورة، والعديد من القادة العسكريين وكبار المسؤولين السياسيين، سيقضي على النظام الإيراني من جذوره. لكن وهم ترامب سقط عندما استوعبت إيران العدوان الكبير، خلال ساعات، لتملأ الفراغ على الفور في المراكز القيادية والسياسية والعسكرية، ما أدهش وأبهر المراقبين في العالم كله.

3 ـ إنّ ديون إيران الخارجية رغم الحصار والحروب، لا تتعدّى 9.2 مليار دولار. علماً انّ لديها في الخارج أصول مجمدة تصل الى أكثر من 100 مليار دولار. مع العلم أنّ إيران لم تلجأ في خططها التنموية الخمسية الى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهي سياسة آثرت الحفاظ عليها، لتبقى بعيدة عنه، حتى لا تصبح عرضة للابتزاز والضغوط، وفريسة بين أنياب الصندوق، وضغوط وتهديدات أميركا.

4 ـ عمدت إيران منذ قيام جمهوريتها، للسير في طريق الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى حدّ بعيد، معتمدة على تطوير وزيادة الإنتاج الداخلي، حتى لا تتعرّض يوماً للحصار والابتزاز من قبل أعدائها.

5 ـ إيران تمتلك كميات ضخمة من النفط والغاز، تغطي حاجات شعبها بكثير، دون الحاجة إلى استيراده، ودون أن تكون تحت رحمة العقوبات فيما لو كانت تحتاجه.

6 ـ تمتلك إيران قدرات عسكرية ذاتية، وتصنيعاً محلياً لأسلحة الدفاع الجوي والبري والبحري، وصناعة متقدمة ودقيقة في مجال الصواريخ العادية والفرط صوتية المتوسطة والبعيدة المدى، وتكنولوجيا نووية متقدمة.

السؤال الذي يُطرح: ماذا لو طال الحصار على مضيق هرمز شهوراً طويلة، فمَن سيتضرّر أكثر اقتصادياً: إيران أم الولايات المتحدة وحلفاؤها؟! لا شك في أنّ استمرار إغلاق المضيق سيؤدي الى صدمة نفطية عالمية تضرب الاقتصاد الأميركي والأوروبي والآسيوي بالصميم! هل تتحمّل اقتصادات الدول هذا الإغلاق؟!

هذه العوامل جميعها جعلت إيران تصمد في وجه الغرب، وتفشل أهداف العقوبات المفروضة عليها طيلة 47 عاماً، والتي توّجها ترامب بحربين، ظناً منه أنه بحصاره الشديد

وحربه الشرسة على إيران، سيُعيدها إلى فلك الولايات المتحدة، فيما هو يجهل حجم الوعي والغضب للشعب الإيراني وعنفوانه، وصبره، وصموده، وكراهيته الشديدة لدول الغرب التي استغلّت ونهبت ثروات إيران على مدى عقود طويلة، كما يجهل صلابة القيادة الإيرانيّة وعزمها القويّ على مواجهة العدوان والتصدّي له، والالتزام بالدفاع عن سيادة إيران، ومستقبل شعبها حتى النفس الأخير.

0% ...

آخرالاخبار

العلاقات العامة في بحرية الجيش الإيراني: هذا هو مصير جميع السفن والمركبات التي تتجاهل التحذيرات وتعبر في المناطق المحظورة


العلاقات العامة في بحرية الجيش الإيراني: اشتعال النيران بناقلة نفط من جراء اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها بمسار ممنوع شرق مضيق هرمز


هل سيقيل ترامب وزير الحرب بعد خسارة الانتخابات


ايران تحول عقيدتها العسکرية من الدفاعية الی الهجومية


حماس: المشهد الكارثي الإنساني وغرق شعبنا وصمة عار على جبين المجتمع الدولي


10 شهداء في حصيلة أولية لمجزرة العدو السعودي في منطقة الشرية بمديرية بني حشيش شرق العاصمة


مسؤول إيراني رفيع : أي هجوم على إيران سيُواجه برد فوري وغير محدود


وزارة الصحة بغزة: بلغت الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان، ⁠74,640 شهيدا، و175,947 إصابة


الدفاع المدني بغزة: آلاف النازحين في القطاع أصبحوا بلا مأوى إثر غرق خيامهم


الدفاع المدني بغزة: كارثة إنسانية جديدة في القطاع بعد فقدان آلاف النازحين خيامهم


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري