وأضاف سعيد خطيب زاده، يوم الثلاثاء ، في كلمته أمام هذا الحدث الدولي الذي عُقد في مينسك بحضور رئيس بيلاروسيا و600 مسؤول وخبير من نحو 50 دولة، من بينهم وزير الخارجية الروسي: ان هذا الموقف لم تاخذه دولة ما كامتياز من إيران، بل هو قرار استراتيجي ومبدئي اتخذناه بأنفسنا، وقد أثبتت أحداث العام الماضي صوابه مرة أخرى.
واعتبر نائب وزير الخارجية أن العدوان المشترك الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في يونيو ويوليو الماضي كان نتيجةً لمطامعهما في الهيمنة، وقال أن هذه الأعمال العدوانية ضد إيران كانت لها عواقب وخيمة ودائمة على المنطقة والعالم.
وأضاف: لم تهاجم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دولةً واحدةً فحسب، بل استهدفا القانون الدولي، واستهدفا مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. لقد تحدّيا الإنجازات الجماعية التي حققتها دول العالم على مدى العقود السبعة الماضية في الحفاظ على نظام دولي قائم على القانون، وهدما أسس الدبلوماسية - أو ما تبقى منها - من خلال شنّ هجمات خلال المفاوضات.
وقال خطيب زاده، مستذكراً أعمال المعتدين باغتيال آية الله السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية الشهيد، والطلاب الأبرياء وأطفال ميناب ولامرد، ومهاجمة المدمرة دنا على بعد ألفي كيلومتر من ساحة المعركة، ومهاجمة المدنيين والبنية التحتية المدنية والمنشآت التي تقع تحت حماية دولة طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية: "القنابل سقطت على إيران، لكن البدعة التي نتجت عنها اجتاحت المجتمع الدولي بأكمله وألحقت جراحاً عميقة بالمنطقة وخارجها".
*الدرس الذي لقّنته إيران للمعتدين
قوال رئيس معهد الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية: "لقد تصدينا للعدوان الوحشي لقوتين نوويتين؛ قوتان لم تُقصّر ترساناتهما النووية من أمد الحرب بالنسبة لهما، ولم تجلب لهما السلام والطمأنينة. بل على العكس، وسّعت هذه الأسلحة نطاق الحرب أمامهما، ولقّنتهما درسًا لم يستوعباه بعد."
أوضح قائلاً: "قبل إطلاق الصواريخ، دار الحديث عن تدمير حضارة بأكملها؛ وتناولت وسائل الإعلام الأمريكية تدمير محطات توليد الطاقة والبنية التحتية المدنية الإيرانية في سياق اجتماعات التخطيط العسكري، وكأن حرمان ملايين الأشخاص من الكهرباء والماء والدواء خيار عسكري مشروع؛ في حين أن هذا العمل يُعد من أخطر جرائم الحرب وفقًا للقانون الدولي وقانون النزاعات المسلحة."
وأشار خطيب زاده إلى أن: "الدعم الغربي غير المشروط لأعمال الكيان الصهيوني في غزة قد سرّع من وتيرة تطبيع هذه الجرائم؛ وقد وصفت المحاكم وجزء كبير من الرأي العام العالمي هذه الأعمال بأنها إبادة جماعية."
وانتقد نائب وزير الخارجية الدعم الغربي الواسع للكيان الصهيوني، والذي يتجلى في شكل أسلحة وحماية دبلوماسية وحق النقض، بل وحتى التغاضي عن ذكر أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها هذا الكيان، قائلاً: "إن استخدام هذا النوع من الخطاب لا يقتصر على استوديوهات الأخبار، بل يتغلغل في العقائد العسكرية والسياسية."
وأوضح: "هذا النمط يكشف أن بعض الحكومات خارجة عن مظلة القانون الدولي، وأن ما يُعدّ امرا لا يمكن تصوره ضدّ عاصمة ما يُمكن التفاوض عليه وتطبيقه ضدّ أخرى. لا يُمكن للقانون الدولي أن يستمرّ مع هذا التمييز الصارخ؛ فإما أن يكون القانون واحدًا للجميع أو لا وجود له أصلًا.
*مثال بارز على الجريمة ضدّ الإنسانية
وفي جزء آخر من خطابه، قال خطيب زاده: "إنّ الحرب الأمريكية على إيران، بما في ذلك فرض عقوبات غير قانونية وعابرة للحدود، مثال بارز على الجريمة ضدّ الإنسانية".
وأكّد قائلًا: "من المُرّ أن يُصوَّر ضحية العدوان المسلح على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين، بينما يجلس المعتدون على كرسيّ المدّعي العام. إذا كانت هذه هي الممارسة الدولية، فلن يكون ميثاق الأمم المتحدة سوى دليل لا قيمة له".
وأشار نائب وزير الخارجية إلى أن: "إيران مثال موضوعي وكلاسيكي لدولة وقعت ضحية عدوان قائم على سردية زائفة ومُختلقة ومُضلّلة؛ سردية مفادها أن إيران كانت ولا تزال تُطوّر أسلحة نووية".
وتابع قائلاً: "أعيد نشر هذه الرواية الكاذبة على مدى سنوات عديدة من خلال القنوات الرسمية للكيان الصهيوني، ومراكز الأبحاث المتحالفة معه في واشنطن، وشبكة من المحافظين الجدد الذين اعتبروا الشك وهماً للإثبات والأدلة الحقيقية غير ضرورية؛ واليوم، فإن أكبر تهديد للمجتمع الدولي هو هذه الروايات الكاذبة التي يمكن أن تمنح ترخيصاً لبدء حرب مدمرة".
*سجل إيران واضح وشفاف
وأكد خطيب زاده قائلاً: "خلافاً لهذه الروايات الملفقة، فإن سجل الجمهورية الإسلامية الإيرانية واضح وشفاف تماماً؛ فقد قمنا بتخصيب اليورانيوم تحت إشراف وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما هو منصوص عليه في نص المعاهدة، ومع ذلك فُرضت علينا عقوبات؛ ومع ذلك بقينا ملتزمين بالمعاهدة".
وأشار إلى أن إيران بقيت ملتزمة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية رغم التخريب الإلكتروني لأجهزة الطرد المركزي واغتيال علمائها النوويين، وفي عام 2015، أبرمت خطة العمل الشاملة المشتركة وقبلت نظام التحقق الأكثر شمولاً في تاريخ الدبلوماسية. وقد أكدت الوكالة التزام إيران الكامل في تقاريرها المتتالية. ومع ذلك، في عام 2018، انسحبت الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاقية وفرضت عقوبات أشد؛ لكننا بقينا ملتزمين بالمعاهدة.
وأشار نائب وزير الخارجية إلى أنه في حزيران /يونيو العام الماضي، أثناء المفاوضات، تعرضت منشآتنا النووية الخاضعة للضمانات للقصف؛ لكننا بقينا ملتزمين بالمعاهدة، وفي شباط/فبراير، وفي خضم المفاوضات، اغتيل قائدنا، ومع ذلك بقينا ملتزمين بالمعاهدة.
وأشار خطيب زاده إلى أهمية الموازنة بين التزامات الدول وحقوقها في المعاهدات، مذكّراً بحرمان ايران من مزايا معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقال في الوقت نفسه: بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم يكن أقوى حاجز أمام القنبلة المدمرة معاهدة دولية، بل فتوى.
وأضاف: أصدر قائد الثورة الراحل، آية الله السيد علي الخامنئي، فتوى تنص على أن: تصنيع الأسلحة النووية وحيازتها واستخدامها محظور ومحرم؛ وهي فتوى سجلتها إيران في الوثائق الرسمية للوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل عقدين من الزمن. وقد فاق وزن هذه الفتوى بكثير وزن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
أشار نائب وزير الخارجية إلى أنه وفقًا للمادة العاشرة من هذه المعاهدة، يحق لأي دولة الانسحاب منها خلال ثلاثة أشهر؛ إلا أن هذه الفتوى كانت تحريمًا دينيًا وأخلاقيًا، وقبل كل شيء، ملزمة للضمير الإنساني. لم يسبق لأي قرار أو عقوبة أو تفتيش في العالم أن قدم ضمانة قوية كهذه الفتوى الحكيمة للمجتمع الدولي.
وتابع قائلًا: في الـ 28 من شباط/فبراير اغتالت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مُصدر هذه الفتوى والذي يُعد في الواقع أقوى ضمانة للمعاهدة، وكان ذلك خطأً فادحًا واستراتيجيًا لن يستطيعا تداركه أبدًا.
وفي جزء آخر من خطابه، انتقد خطيب زاده السلوكيات القائمة على ازدواجية المعايير، بما في ذلك تجاه الكيان الصهيوني، قائلًا: يمتلك هذا الكيان أسلحة نووية، ولكنه ليس عضوًا في المعاهدة، ولا يقبل أي ضمانات شاملة، وله سجل مظلم من الاحتلال والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والعدوان على جيرانه.
وأشار إلى أن قادة هذا الكيان يواجهون أوامر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بسبب الجرائم المروعة التي ارتكبت في غزة، في الوقت الذي يتم فيه مراجعة قضايا الإبادة الجماعية الخاصة بهم من قبل محكمة العدل الدولية.
*لائحة اتهام ضد النظام الدولي المعيب برمته
وصرح رئيس معهد الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية قائلاً: "بأي معيارٍ جاد، يفتقر هذا الكيان إلى أي مؤهلاتٍ لامتلاك أسلحة دمار شامل؛ ومع ذلك، فهو الكيان نفسه الذي ترفض الحكومات الغربية حتى مجرد ذكر أسلحته".
واستذكر كلمات رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مسعود بزشكيان، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً: "لخص رئيسنا هذا التناقض الصارخ في جملةٍ واحدةٍ موجزة: 'القنبلة الذرية في إسرائيل، لكن المفتشين في إيران'؛ هذه الجملة لائحة اتهام لهذا النظام الدولي المعيب برمته".
قال خطيب زاده: إن إرسال مفتشين إلى دولة لها الحق القانوني في التخصيب، والصمت التام حيال ترسانة بُنيت خارج إطار القانون تمامًا، والدعم المطلق من واشنطن والعواصم الأوروبية لكيان لم ينضم قط إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاقبة حكومة لم تنسحب من هذه المعاهدة والضغط عليها، كلها أمثلة على ازدواجية المعايير.
وفي الجزء الأخير من كلمته، قال نائب وزير الخارجية: عندما تدافع إيران عن نفسها، فإنها تدافع عن سيادتها الوطنية وشعبها، ولكننا ندافع أيضًا عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. إن دفاعنا هو ضد الحكومات التي تعتبر نفسها فوق القانون؛ إنه دفاع ضد الكيان الإسرائيلي وترسانته النووية غير المشروعة، وضد الروايات المشوهة التي تحاول تحريف الحقائق الموضوعية. اليوم، تُعدّ القضية الإيرانية اختبارًا لمدى قوة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وركيزة أساسية لبقائها في العالم أجمع.