عاجل:

مذكرات توني بلير تنكأ جراح غزو العراق

الأحد ٠٥ سبتمبر ٢٠١٠
١٠:٤١ بتوقيت غرينتش
غالبا ما يكون إطلاق الكتب البارزة مثل السيرك. لكن ليس هناك ما يضاهي مزيج الضجيج والكراهية التي يصاحب نشر مذكرات توني بلير.

غالبا ما يكون إطلاق الكتب البارزة مثل السيرك. لكن ليس هناك ما يضاهي مزيج الضجيج والكراهية التي يصاحب نشر مذكرات توني بلير.

 

قرر رئيس الوزراء السابق التبرع بجميع عائدات كتابه إلى الفيلق البريطاني الملكي، وهي جمعية خيرية للمحاربين القدامى. وربما تصل العائدات إلى خمسة ملايين جنيه استرليني. إلا أن بادرته هذه كانت محط سخرية واسعة النطاق. فقد تدفقت الانتقادات اللاذعة على بلير من كل من اليسار واليمين. واقتراح توني بارسونز، في صحيفة ميرور ذات الميول اليسارية، على توني بلير أن يبتر أحد أعضائه ويتبرع به للفيلق البريطاني ، مضيفا أن هناك أولاداً سيظلون حبيسي الكراسي المتحركة طوال حياتهم بسبب هذا المنافق التقي الأصولي . وكتب ماكس هاستنغز في صحيفة ديلي ميل اليمينية أن الخمسة ملايين جنيه استرليني التي سيتبرع بها بلير تهدف إلى منحه إحساسا بشعور أفضل ، وأشار إلى أن هناك تقليداً قديماً يقضي بأن يمنح كبار المحتالين هبات سخية للأعمال الخيرية .

 

ولعل رد الفعل هذا هو الذي دفع بلير إلى التوجه إلى الولايات المتحدة يوم إطلاق كتابه، لحضور حفل عشاء في البيت الأبيض، على صلة بمحادثات السلام في الشرق الأوسط. إنها إحدى المفارقات الغريبة في السياسة البريطانية الحديثة أن ينتهي الأمر بشخصين هيمنا طوال 30 عاما ـــ بلير والليدي تاتشر، رئيسة الوزراء المحافظة السابقة ـــ بأن يحظيا باحترام أكبر في الولايات المتحدة عما يحظيان به في المملكة المتحدة. وقد اتهم كلاهما من قبل أعدائهما بالخضوع لجنون العظمة. وأظهر كلاهما نوعاً من الحماس الأخلاقي واليقين المقبلوين في الولايات المتحدة، لكن يبدو أنهما منفرين بالنسبة للمعلقين البريطانيين الذين يفضلون أن يكون قادتهم دون عواطف وأن يميلوا إلى السخرية.

 

لكن بالنسبة لكثيرين من أشد الكارهين لبلير في بريطانيا، الجدل حول الأسلوب السياسي يعد خارجا عن الموضوع. فانتقاداتهم واتهاماتهم تتمحور حول كلمة واحدة: العراق. ومع ذلك، على الرغم من الفظائع التي نتجت عن الغزو عام 2003، فإن كراهية وازدراء بلير مبالغ فيها جدا. من الممكن أن يكون قد اتخذ قرارا خاطئا في دعم الحملة التي تقودها اميركا. فوفقا لأكثر التقديرات تحفظا، توفي نحو 100 ألف مدني في العراق منذ الغزو. وتحول الملايين إلى لاجئين. ومع انسحاب القوات الاميركية، هناك فرصة كبيرة لإنزلاق البلاد ثانية إلى حرب أهلية.

 

إلا أن بلير اتخذ قراره المشؤوم بشأن العراق لأسباب كانت مشرفة ومفهومة في آن معا. وكانت معظم الشخصيات البارزة في السياسة البريطانية ــ في كلا الحزبين الرئيسيين ــ تتفق معه. وكان روبين كوك، وزير الخارجية العمالي الأسبق، متفردا في معارضته لخطط الحرب. وبالتالي لم يكن قرار دعم الغزو قرارا منفردا اتخذه بلير بسبب جنونه، بل كان يعكس الحكمة المتعارف عليها للمؤسسة السياسية البريطانية.

 

واتضح لاحقا، بعد تحقيق انتصارات عسكرية سهلة في كوسوفو والبوسنة، أن بلير أصبح راضيا عن نفسه على نحو خطير فيما يتعلق بمخاطر العمل العسكري في العراق. لكنه لم يكن الوحيد الذي أساء تقدير الوضع. فقد كانت السنوات التي تلت حرب كوسوفو ذروة التدخل الليبرالي على كلا جانبي الأطلسي وعلى كلا جانبي الطيف السياسي ــ يغذيه شعور بالذنب بسبب تردد الغرب في التدخل في رواندا والبلقان.

 

وأدت الخلافات حول ملفات المعلومات الاستخبارية المراوغة إلى إضعاف حجة الحرب في العراق. وكان كارهو بلير يريدون أن يصدقوا أن شريرهم المفضل كان مدفوعا فقط بالتملق الذي لا يمكن تفسيره لجورج بوش، الذي كان حينها رئيسا لاميركا. إلا أن بلير كان قلقا بشأن العراق قبل وقت طويل من تولي بوش منصبه، أو الهجوم على البرجين في نيويورك. فأنا أتذكر أني قابلته في مكتبه في داونينج ستريت، في وقت مبكر من ولايته الأولى، ولاحظت أن الكتاب الوحيد الموجود على الطاولة أمامه هو كتاب جوناثان راندال المعنون بعد هذه المعرفة، أي غفران والذي يدور حول محنة الأكراد العراقيين. وكان العراق في عهد صدام، النظام الذي كان مسؤولا عن مئات الآلاف من الوفيات، مصدر قلق كبير في كل من لندن وواشنطن، حتى في أواخر التسعينيات.

 

وإلى الحد الذي كان قرار بلير مدفوعا ببساطة أيضا برغبته في دعم الحكومة الاميركية في أعقاب أحداث 11/9، فكذلك هذا لم يكن مشينا أو مثيرا للدهشة بصورة خاصة. وبالنظر إلى أهمية التاريخ والأهمية الاستراتيجية للتحالف مع اميركا، كانت تلك استجابة تقليدية لأي رئيس وزراء بريطاني.

 

إلا أن بلير الآن شخصية منعزلة في بريطانيا، حتى داخل حزب العمال الذي قاده إلى ثلاثة انتصارات انتخابية متتالية. ولا يبدو أن أياً من المتنافسين في المعركة الحالية لقيادة حزب العمال حريص بصورة خاصة على فرصة الدعاية والتقاط صورة مشتركة معه. وهذا يغذى الفكرة القائلة إن حكم التاريخ صدر ــ وأن الشعب البريطاني الآن يزدري رئيس الوزراء السابق.

 

إلا أن هاتين الفكرتين موضع شك. فقد جاء آخر فوز لبلير في الانتخابات عام 2005 ــ قبل وقت طويل من أن يصبح واضحا أن غزو العراق ليس نزهة وأن ما من أسلحة دمار شامل مخبأة في الصحراء العراقية. لذا فإن الفكرة التي شكلها الناخبون البريطانيون عن ازدراء بلير بعد العراق زائفة ببساطة.

 

لقد نشر بلير مذكراته الآن، لكن ستصدر كثير من الأحكام الأخرى حول سنواته في الحكم. وأعتقد أنه في غضون سنوات قليلة، سيتم تذكر سنوات بلير لمسائل أكثر من مجرد العراق. وسيتم اعتبارها فترة من الازدهار والتفاؤل في بريطانيا ــ مقارنة بالتأكيد مع ما سيأتي. وبعد 20 عاما، ربما ينظر كثير من البريطانيين إلى سنوات بلير في الحكم بحنين كبير.

*فاينانشال تايمز-جديون راتشمان

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

سوريا: تجدد الاشتباكات شرق حلب وإعلان مناطق عسكرية مغلقة


اعتراف صهيوني مذل: إيران قادرة على إلحاق أذى مدمر بـ"إسرائيل"


وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر سعودي: السعودية أبلغت أمريكا بأنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لاستهداف إيران


حرس الثورة: مخزون صواريخنا أكبر مما كان عليه قبل العدوان


شاهد: خيام النازحين بغزة تتطاير بفعل المنخفض الجوي


عراقجي:على ترامب أن يعرف الآن بالضبط إلى أين يجب أن يذهب لوقف القتل وإراقة الدماء


عراقجي: "إسرائيل" تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة حية وهذا هو السبب في سقوط مئات الضحايا


عراقجي: "إسرائيل" تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة حية وهذا هو السبب في سقوط مئات الضحايا


عراقجي: "إسرائيل" كانت دائماً تسعى لجر الولايات المتحدة إلى خوض حروب نيابة عنها


"رويترز": انخفاض أسواق الأسهم في منطقة الخليج الفارسي اليوم الأربعاء بسبب استمرار التوتر الجيوسياسي في المنطقة