عاجل:

الأميركيون ولعبة العشائر: الاختبار الأخير... في الأنبار

الثلاثاء ١٣ يونيو ٢٠١٧
٠٧:٢٨ بتوقيت غرينتش
الأميركيون ولعبة العشائر: الاختبار الأخير... في الأنبار تحديات كثيرة تمثل أمام السلطات العراقية بعد أفول حقبة "داعش" الارهابية التي شارفت نهايتها. تحديات يتصدرها لأم الجروح المجتمعية التي خلفتها سيطرة التنظيم على المحافظات الغربية، والاستفادة من القوة البشرية العشائرية التي شاركت في محاربته. فهل ستنجح بغداد في استعادة العشائر إلى حضنها، بعد سنوات طويلة من الكر والفر، لم تفلح إلا في مراكمة الشعور بالإحباط لدى أبناء القبائل؟

العالم - مقالات

شأنها شأن الجماعات الدينية والمذهبية والأحزاب السياسية، تشكل العشيرة بوتقة رئيسة من بوتقات الانتماء في العراق، بل إنها، في كثير من الأحيان والمناطق، تتقدم على أي اعتبارات أو محددات أخرى، يعود ذلك، في جزء رئيس منه، إلى تجذّر العشائر، تاريخياً، في المجتمع العراقي، ولعبها أدواراً رئيسة في العديد من مفاصل التاريخ السياسي لبلاد الرافدين.

وعلى الرغم من أن الخصائص الجغرافية للعراق، وخصوصاً منها وجود نهرَي دجلة والفرات، سمحت، وفق ما يرى عالم الاجتماع العراقي، علي الوردي، بصهر البدو المهاجرين من الصحراء العربية في النظم الحضرية التي كانت قائمة قبل وجودهم، إلا أن الشخصية العشائرية حافظت على قيمها الخاصة وتمايزها، وظلت أشبه بكيان قائم بذاته يتم اللجوء إليه كلما اشتدت الأيام على النظم السياسية .
تجلى ذلك، أكثر ما تجلى، في عهد "صدام"، الذي أسهم هو وقيادات حزبه، المنادين بالاشتراكية والعلمانية، في ترسيخ الحكم العشائري، سواء رمزياً أو عملياً.

فعلى المستوى الرمزي، حرص رجالاته على الظهور دائماً بالزي البدوي في الأماكن العامة، فضلاً عن تطعيم قصورهم الفارهة بعلامات قبلية من مثل الخيمة (بيت الشعر)، والموقد، ودلال القهوة، والجِمال.

وعلى المستوى العملي، منح النظام البعثي العشائر امتيازات متعددة للاستفادة من «عصبياتها» في حروبه الداخلية والخارجية. ففي الحرب مع إيران (أيلول 1980 ــ آب 1988)، مثلاً، تم توظيف الانتماء القبلي العشائري في التعبئة القتالية، وتعزيز الجهد العسكري.

وبعدها بسنوات قليلة، تم استدعاء سلطة القبيلة والعشيرة مجدداً، وتخويلها صلاحيات واسعة في حل المنازعات وتسيير أمور الناس، بدلاً من مؤسسات الدولة التي اعتراها، حينها، الضعف، جراء الحصار الذي أعقب غزو الكويت عام 1990.
خلال ذلك، وبعدما سرت أنباء عن اشتراك العشائر في انتفاضة عام 1991، عمد نظام "البعث" إلى محاولة ضرب العشائر بعضها ببعض، مستقطباً الكثير من أبنائها إلى منظومته الأمنية، لإشراكهم في عمليات القتل والقمع التي كانت دائرة آنذاك.

وعلى أثر تلك الأحداث جميعها، أصبح للعشائر مجلسٌ يلمّ شيوخ القبائل والأفخاذ، ويتم عبره منحهم مكافآت دورية على مدار السنة. استراتيجية أسهمت في تقوية الشللية و«الزبائنية»، وتسعير التنافس القبلي فيهما، على حساب الحس الوطني المدني.
في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003، لم يختلف الأمر كثيراً، بل ازداد سوءاً جراء قيام الاحتلال بحل الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة التي كانت تضم عدداً لا يُستهان به من أبناء العشائر. هكذا، تسلل الشعور بالإحباط إلى الأوساط العشائرية والقبلية، فيما لم تساعد سلطات ما بعد الاحتلال على محاصرة هذا الشعور أو الحد من تمدده، وهو ما أدى إلى اندلاقه مستفيداً من الدعوات الطائفية التي كانت تصوّر بغداد عدواً لـ«السنّة»، وإعادة الدولة «الصدامية» على أنه سبيل الخلاص الوحيد.


على أوتار تلك التناقضات، لعب الاحتلال الأميركي طويلاً، مسهماً في تعميق الشروخ داخل المجتمع العراقي، ومضاعفة المسافة الفاصلة بين الدولة وأبنائها، تمظهر ذلك بوضوح عام 2006، بعدما سيطرت جماعة «القاعدة» الارهابية على مناطق واسعة من غرب العراق وأعلن «داعش» الارهابية، حينها، شعر الاحتلال بإمكانية انفلات الزمام من يده، فبادر الى تشكيل «مجالس الإنقاذ» أو ما عُرفت بـ«الصحوات» في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وبعض مناطق بغداد، لمحاربة «القاعدة»الارهابية ، لكن على أي أساس؟ الوعد بمحاربة "النفوذ الإيراني" لاحقاً.
انخرط أبناء العشائر في «الصحوات»، وحاربوا مقاتلي «القاعدة» تحت راية الاحتلال، وتمكنوا من طردهم من معظم المناطق التي كانوا قد سيطروا عليها. والنتيجة؟ خلعت الولايات المتحدة قفازات "الصحوات" من يديها، كما تلقي بأي بيدق في المخلفات بعد الانتهاء من استخدامه، حتى إنه يُنقل عن مسؤول أميركي قوله لأربعة من قادة «الصحوات» بعد إبلاغهم إياه «أننا وعدنا الصحوات بأنكم ستضربون إيران بعد أن نخلصكم من الإرهاب» : «إن إيران دولة مجاورة لكم وعليكم أن تتعايشوا معها».
عاد الإحباط للتسلل إلى أوساط العشائر، مترافقاً مع تأجيج الدعوات الطائفية على المستويين الداخلي والخارجي، وإحجام بغداد عن اتخاذ خطوات تطمينية تنزع خصوبة التمدد الوهابي من تربة المحافظات الغربية .

ومع اكتمال شروط اللعبة «الشيطانية» الأميركية التركية الخليجية، وقع المحظور، وكان الاجتياح «الداعشي» الارهابي  للساحل الأيمن من الموصل، ومن ثم إعلان «الخلافة»، فالتمدد إلى بقية المناطق، اجتياح تعاملت معه العشائر بطرائق مختلفة: بعضها التزم الحياد، وبعضها الآخر، شأنه شأن ضباط «البعث السابقين»، حاول ركوب موجته مصطفاً جنباً إلى جنب مقاتلي «داعش»، مبايعاً أمراءهم، ومسهّلاً لهم السيطرة على حياة السكان، فيما وعى قسم ثالث خطورة الوقوف مع «داعش» بذريعة «موروث القهر»، فبادر إلى الالتحاق بصفوف «الحشد الشعبي» منعاً لسقوط العراق بأكمله في فك «التغول الوهابي».

أما القسم الرابع، وها هنا مكمن الخطورة، فآثر انتظار الأميركيين، الذين بادروا الى تكرار لعبة عام 2006، مطلقين عملية إنشاء فصائل عشائرية مسلحة لقتال «داعش»، بالدعوى نفسها التي رفعت لافتتها بعد فتنة تفجير مرقد "الامامين العسكريين" (ع) ، أي "محاربة إيران"، التي أُضيف إليها هذه المرة «منع سقوط المناطق السنية بيد الحشد الشعبي الطائفي».

تولت واشنطن تدريب تلك الفصائل وتسليحها وتمويلها، وأطلقت على أيدي عناصرها عدة عمليات موضعية لتحرير مناطق محددة من سيطرة "داعش" الارهابية ، وهي اليوم تحاول تعزيز وجودها في المناطق الغربية من الأنبار، حيث المعركة الفاصلة على الحدود مع سوريا، معركة يبدو واضحاً أنها ستؤول إلى غير ما تشتهيه الولايات المتحدة، وهوما قد يضع الفصائل العشائرية الموالية لواشنطن أمام مصير مشابه لمصير «الصحوات».
في خضم ذلك كله، يبقى السؤال الأكثر أهمية وجوهرية مرتسماً حول قدرة سلطات بغداد على التعلم من أخطائها، والمبادرة إلى إطلاق «مصالحة مجتمعية» تعيد ما انقطع من أواصر بفعل افتراق المواقف من «داعش» الارهابية ، وكذلك بدء عملية تنموية تستفيد من اصطفاف عشائر غير قليلة إلى جانب الحكومة بمواجهة الإرهاب، وتؤسس لعودة الدولة إلى المحافظات الغربية على المستويات كافة، وتمهد لدمج العشائر، وغيرها من الفئات التي تشعر بالهضم، في العملية السياسية على أسس ديموقراطية لا بيروقراطية عقيمة... والأهم، توطّئ لتلاشي الحس الطائفي والعشائري والقبلي لمصلحة الشعور الوطني الجامع.

بعد تحقق تلك الشروط جميعها، يمكن الاستبشار بنهاية ما سماه الباحث علي الوردي "ازدواجية الشخصية العراقية" التي تتجلى لدى البعض في كونه «أقل الناس تمسكاً بالدين وأكثرهم انغماساً في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحداً من ناحية، وطائفياً من ناحية أخرى" .
 

* دعاء سويدان - صحيفة الاخبار

4 / ف
 

 

 

0% ...

آخرالاخبار

وول ستريت جورنال عن شركة كبلر: من بين 166 عملية عبور سلكت سفينتان فقط المسار المدعوم من الولايات المتحدة


جيش الاحتلال يتعمد إشعال حرائق في غابات وأراضي جنوب لبنان


وول ستريت جورنال عن بيانات تتبع السفن: 14 سفينة فقط عبرت مضيق هرمز يوم الثلاثاء


مصادر لبنانية: الاحتلال الإسرائيلي ينفذ تفجيرا في بلدة بني حيان قضاء النبطية في جنوب لبنان


العميد نقدي: الشعب الإيراني لا يعادي الشعب الأمريكي وإنما عداؤه موجّه إلى النظام الحاكم في الولايات المتحدة


العميد نقدي: على الكونغرس الأمريكي التحقيق في الزيادة التي طرأت على أصول ترامب والمحيطين به خلال فترة الحرب


العميد نقدي: قادة الجيش الأمريكي وكبار القادة العسكريين في هذا البلد يضبطون مسار الحرب وفقًا لمصالحهم الشخصية


مستشار قائد حرس الثورة: إيران ستكون أخطر من دون صواريخ


مستشار القائد العام لحرس الثورة الإسلامية العميد نقدي: لقد تعرضنا للضغوط الأمريكية على مدى 73 عامًا وقد صمدت إيران في مواجهة هذه الضغوط


وزارة الدفاع الروسية: استهدفنا خزانات وقود ومرافق البنية التحتية المستخدمة للشحنات العسكرية للقوات الأوكرانية في ميناء تشورنومورسك


الأكثر مشاهدة

عراقجي في اتصال هاتفي مع نظيره الألماني: تأمين مضيق هرمز يتطلب وقف الأعمال العدوانية الأمريكية لاسيما الحصار


عراقجي: على العالم محاسبة واشنطن على التداعيات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز


طيران الاحتلال يشن غارة على أطراف بلدة المنصوري جنوبي لبنان


بقائي: أمیركا استبدلت السياسة والعقلانية بإدمان مرضي للعقوبات


مصادر يمنية: مرتزقة العدوان السعودي يقصفون بالمدفعية قرى مأهولة بالسكان في عزلتي حذران والربيعي بمديرية التعزية


الهلال الأحمر الفلسطيني: إصابة فلسطيني (60 عامًا) جراء اعتداء مستوطنين عليه بالضرب في بلدة بورين جنوب نابلس


وكالة "بلومبرغ": النفط يقفز مع ترقّب الأسواق مزيدًا من الوضوح بشأن التطورات في الشرق الأوسط في ظل استمرار إغلاق الحرس الثوري لمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم بلدة عنزا جنوب جنين و مدينة قلقيلية من المدخل الشرقي


صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية: الهجمات الإيرانية تسببت منذ بدء عملية العسكرية ضد ايران بخسائر لواشنطن تُقدّر بنحو 13 مليار دولار


"وول ستريت جورنال": الهجمات الإيرانية تسببت في تضرر 20 منشأة في 8 دول فيما تضررت أو دُمّرت 42 طائرة أميركية


إعلام أوكراني: هجوم صاروخي روسي يستهدف العاصمة الأوكرانية كييف