ولد فضيلة العلامة الشيخ محمد بن علي العمري في المدينة المنورة عام 1332 هجري.
وبعد أن كبر وبلغ السادسة عشر من عمره اصطحبه أبوه العلامه الجليل الشيخ علي بن أحمد العمري معه إلى الحوزة العلميه بالنجف الأشرف فظل ينهل من مناهل علم أهل البيت عليهم السلام حتى حل له البريد المشؤوم نبأ وفاة والده فعاد إلى المدينة يتلقى التعازي والمؤاساة في الفقيد العظيم.
وفي عودته الى النجف الأشرف صحب معه والدته براً بها ولحسن حظه فانه عندما أصيب بمرض الجدري وكان مرضاً خطيراً كانت أمه "رحمها الله" بجواره تمرضه وتحنوا عليه حتى تجاوز من مرحلة الخطر فواصل عمله وفي تلك الفتره التي بلغ عشرين عاماً عاشها في رعاية العلماء والمدرسين الأجلاء وفاء للعهد معه والده فأكرم لمكانته العلمية درس المقدمات ثم واصل دراسته.
وكان يمارس النشاط التجاري في فترات التعطيل فكان يشتغل بتجارة الأحجار الكريمة متنقلاً بين العواصم العربية والإسلامية..
نسبه..
هو "آية آلله علي بن أحمد بن محمد بن علي العمري"عالم من أعلام المدينة المنورة هو الفقيه الفاضل والعالم الزاهد والمجاهد الصابر طويل القامه أسمر البشرة خفيف العارضين"ولد من أبوين فقيرين.
كان أبوه يشتغل بالزراعة تعلم والكتابة في أحد الكتاتيب وعندما بلغ مبلغ الرجال اصطحبه أبوه معه لزيارة العتبات المقدسة’وبعد انتهاء مراسيم الزيارة ذهب به أبوه الى الحوزة العلمية في النجف الأشرف وسلمه احد العلماء المسؤولين عن الحوزة العلميه في النجف الأشرف وكان -رحمه الله- موضع اهتمام المسؤولين لذكائه ولكونه من مدينة الرسول آلله"صلى الله عليه وسلم".
دراسته..
درس المقدمات والسطوح وواصل دراسته حتى مرحلة البحث وكتابة التقريرات حتى وصل الى درجة الاجتهاد.
وتلقى علومه على عدد من أساتذة الحوزة ومنهم الشيخ محمد رضا المظفر، الشيخ محمد حسين المظفر، الشيخ محمد جواد مغنية ، السيد مسلم الحلي، السيد باقر الشخص، الشيخ محمد تقي آل صادق والسيد علي مدد.
وكان الراحل العمري وكيلا لعديد من أبرز المرجعيات الشيعية منهم ابو الحسن الأصفهاني، السيد محسن الحكيم، السيد محمد حسن آل ياسين، السيد أبو القاسم الخوئي، السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد سعيد الحكيم وآخرون.
وظل الفقيد حتى آخر لحظات حياته قطب الرحى في أوساط أبناء الطائفة في المنطقة الغربية من المملكة ويعزى اليه الفضل في تعزيز خطاب التعايش والاعتدال الديني في المنطقة.
ويحفظ الأهالي للشيخ الراحل خدماته الجليلة على الصعيد الديني والاجتماعي على مدى ستين عاما.
ومثلت مزرعته التي حملت إسمه مركزا دينيا يقصده الزوار الشيعة القادمون لزيارة النبي الأكرم من مختلف البلدان. وكانت له استقبالات دائمة للكثير من العلماء ووكلاء المرجعيات الدينية والشخصيات الشيعية البارزة.
و يعتبر المسجد الذي يصلي فيه آية الله الشيخ محمد العمري المركز الذي يعج بالمصلين من المسلمين أتباع مذهب أهل بيت النبي الاعظم (ص) مركزا لتزاور الاخوة .
و قدم هذا العالم الديني المجاهد الكثير من الخدمات للمسلمين المستضعفين في المدينة المنورة الذين يشكل أتباع اهل البيت (ع) معظمهم حيث يستقبل هذا الشيخ الكبير اولئك المسحوقين في بستان له بالمدينة المنورة .
والطريف في الامر أن الاخوة أهل السنة يطلبون من هؤلاء المحرومين الذين يعتبر تلقيح النخيل المهنة الخاصة بهم ويؤمنون أن في أيديهم البركة لإثمار النخيل .
ويقول ممن اصطحبوه ان فضيلة الشيخ رحمة الله عليه كان معنا في عالم الدنيا بجسده ولكن روحه كانت دائماً متعلقة بالملكوت الأعلى. ورغم أننا تربينا وترعرعنا تحت ظله وإرشاداته لم أشاهده قط ينزل إلى عالم الدنيا بقول أو فعل أو بمجرّد التفاته، فلم أجده مهتماً بأي أمر من أمور الدنيا أبداً. ولا يميل إلى الحديث عنها، ولا يلتفت لها مطلقاً.
وكان رحمة الله عليه يجول ببصره في مجلسه ولكنه لا ينظر إلى الدنيا بل كان بصره يجول في الملكوت الأعلى، ولا تتجاذبه اختلافات الناس ولا أطماعهم لكي يلتفت إلى ما يختلفون عليه أو يطمعون فيه من دنيا، بل كان يمثّل كمال الزهد والانصراف عن عالم الزخرف. إن الذي جالس الشيخ العمري يجده أقرب إلى الآخرة منه إلى الدنيا، بل لا يجد في نفسه أو قوله أو عمله أي شيء منها.
وكان الشيخ في قمّة الروحانية في أعمال العمرة والحج. وكان لا يترك الحج رغم كبر سنه وكأنه متوّق إلى بيت الله يحنّ ويئنّ إليه، بل إنه لا يرى بيت الله إلا بيتاً للروح ورَوحاً لها.
كان يقوم بأعمال الحج والعمرة بكل طمأنينة وكلّ هدوء، وبلا عجلة. فكان ينظر بعين القلب إلى المحبوب، فهو عندما يكون في بيت الله الحرام تجده وكأنه في دار المحبوب والمعشوق الأبدي، تغمره السعادة غير الظاهرة، ويختفي حزنه القلبي الظاهر دائماً. وكأني بالرحمة تتنزّل عليه من السماء بل من العرش في حال سجوده في صلاة الجماعة، وتحفّ به الملائكة وبالمؤمنين معه، إن الله رحيمٌ ودود.
ومن العلامات المميزة للشيخ الفقيد أنه كان شديد البعد عن حب الظهور وحب السمعة. بل كان يحترم ويقدّر الجميع ويفتح مجلسه لجميع المؤمنين للعمل والمشاركة، وكان هو يلتزم مكانه مع الجلوس، فهو يقود مركب المؤمنين إلى بيت الله كربان سفينة. يحنو على العاملين ويرحم المساكين، ولا يهادن في الحق أو يجامل لا شريف ولا دنيء. ولقد رأيته يوماً يريد المشاركة في مناسبةٍ ما بطلب من الشباب، وكان الناس ينفرجون عنه سماطين لكي يمشي، ولكنه كان يتعمد ألا يمشي بين الصفين، وكان مباشرةً يغير إتجاهه ومساره ويمشي بين الناس الجلوس. وإذا بصفٍ آخر ينفرج سماطين له، ولكنه مرّةً أخرى يخرج من الصف ويمشي بين الجلوس، وفعل ذلك ثلاثاً حتى وقف جميع من في المجلس إحتراماً وإكباراً له.
وخلف الشيخ العمري عددا من الأولاد وأبرزهم نجله الشيخ كاظم العمري الذي ينظر اليه منذ امد بعيد كأحد رجال الدين الشيعة البارزين في المدينة المنورة.
وتوفي الراحل العمري الاثنين بعد صراع طويل مع المرض عن عمر ناهز المئة عام بعد صراع طويل مع المرض.
وقضى الراحل العمري سنواته الأخيرة طريح الفراش في الوقت ظل ينظر اليه باستمرار بمثابة الأب الروحي للسعوديين الشيعة في المدينة المنورة.
وكان الشيخ دخل قبل نحو اسبوعين في غيبوبة اثر تدهور حالته الصحية وظل يرقد في قسم العناية المركزة بإحدى مستشفيات المدينة إلى حين اعلان وفاته.