11 عاماً على ثورة يناير في مصر..اغتيال متواصل للذكرى

11 عاماً على ثورة يناير في مصر..اغتيال متواصل للذكرى
الثلاثاء ٢٥ يناير ٢٠٢٢ - ٠٩:٢٢ بتوقيت غرينتش

ماذا تبقّى من ثورة يناير 2011 المصرية؟ بعد 11 عاماً على 25 يناير/كانون الثاني 2011، يطفو هذا السؤال بقوة على السطح،في ظل إجراءات وتدابير يعمل النظام الحاكم في مصر على تكريسها لاغتيال هذه الذكرى، وتغييبها حتى من ذاكرة المصريين.

العالم - مقالات وتحليلات

كتب موقع "العربي الجديد" اليوم الثلاثاء: لم يتوان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مراراً، آخرها قبل نحو شهر، عن التخويف مما حصل في 25 يناير 2011، وكيف أن البلاد "كانت ستضيع"، والتشديد على ضرورة عدم تكرار المسار نفسه مرة ثانية.

هذا الكلام يُترجم بواقع عملي يسير النظام الحاكم عليه منذ ما بعد الانقلاب على الثورة في يونيو/حزيران 2013، لبناء وقائع جديدة تستهدف فعلياً مسح هذا الحدث من ذاكرة المصريين، وربط الثورة بـ"الخراب والدمار"، حتى لا يفكر أحد في تكرار هذا الحراك من جديد.

يتجلّى ذلك في العديد من الترتيبات والإجراءات، التي تبدأ بمحاولة فرض سردية جديدة خاصة بالنظام، وصولاً إلى إجراء تعديلات على الدستور وحذف الديباجة التي تمجّد الثورة، وذلك في سياق خلق "جمهورية جديدة" لطالما تحدّث عنها المسؤولون في النظام الحالي.

وترافق كل ذلك مع توسع إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية على ذمّة قضايا سياسية، ليسقط ضحيتها الآلاف، مقابل منع كل محاولات لإصلاح وزارة الداخلية، وجهاز الشرطة.

غير أن كل ذلك يصطدم بعوامل وسياسات متعددة تدفع الجميع في مصر، سواء من القوى الثورية والمعارضة، أو من الموالين للنظام والداعمين له، أو حتى من داخل النظام نفسه، للحديث عن أن استمرار الأوضاع بهذا الشكل يعني حتمية الوصول إلى لحظة الانفجار.

ومن هذه العوامل حالة التردي الاقتصادي التي تعيشها مصر، والتي انعكست على معدلات الفقر وأدت إلى ارتفاعها بسبب التوسع في الاقتراض داخلياً وخارجياً، وسياسات الإنفاق التي لا تراعي مصالح الطبقات الشعبية الدنيا.

ويترافق ذلك مع سياسات خارجية فشلت في الحفاظ على المصالح القومية للدولة، وأهمها قضية المياه، ووسط حالة الانسداد السياسي وتصاعد وتيرة القمع.

ثورة حية في مصر

أحد السياسيين المصريين البارزين قال لـ"العربي الجديد"، متحفظاً على ذكر اسمه، إنه "بعد مرور 11 عاماً على ثورة يناير، تعرضت خلالها إلى أقصى درجات التنكيل والقمع ومحاولات الإجهاض منذ اللحظة الأولى لاندلاعها، إلا أنها لا تزال حية في وجدان الشعب وتحت الركام، وستأتي اللحظة التي ستنهض فيها مرة أخرى وتستعيد عافيتها وتكمل مسيرتها التي لم تنتهِ بعد".

وأضاف السياسي، الذي كان عضواً في "جبهة الإنقاذ": "كنا نعتقد أن ما حدث في الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013، هو موجة ثانية لثورة يناير، لكن الواقع بعد نحو تسع سنوات، أثبت أنها كانت ضربة عنيفة للثورة، ترتب عليها الارتداد إلى وضع أسوأ مما كان قبل يناير 2011، لكنها لم تقتل الثورة".

وأوضح أن "الأوضاع التي تعيشها البلاد الآن تبشر بموجة جديدة من الثورة، وهذا أمر لا شك فيه، ولكن يبقى السؤال متى يحدث ذلك؟".

وأضاف: "هذا سؤال لا يمكن لأحد الإجابة عنه مهما حاول قراءة المشهد وتحليله، فهي لحظة تاريخية تأتي كضربة برق غير متوقعة، تتشكل قبلها وتتكون في السماء بفعل عوامل متعددة لا يراها الكثيرون ولكنهم يفاجَؤون بها تضرب مرة واحدة من دون سابق إنذار".

وتابع: "هذا ما حدث في يناير 2011، فنحن كقوى سياسية دعونا قبلها الناس للنزول إلى الشارع كما دعوناهم في يناير، وكثير منا لم يكن يتوقع أن تحظى الدعوة بصدى واسع، إذا كانوا يتوقعون بعض العشرات ينظمون مسيرة هنا أو هناك أو يقفون على سلالم نقابة الصحافيين كما كان يحدث في العادة، ثم يذهب كل إلى منزله بعد ذلك".

ولفت إلى أن ما حدث في الواقع واستمر 18 يوماً تالية حتى 25 يناير "كان كالصاعقة التي هدمت نظاماً ديكتاتورياً ظل في الحكم لمدة ثلاثين سنة، بمنتهى السهولة".

ورأى المعارض البارز، أن "السيناريو الذي حدث في يناير 2011، يمكن أن يتكرر، في ظل سياسات الإفقار التي يتّبعها النظام، والاقتراض من الخارج والداخل بشراهة ومن دون التحسب لتبعات ذلك على الأجيال المقبلة، والاندفاع في عملية التحرير الاقتصادي، وتعويم العملة، ورفع يد الدولة عن الفقراء، وإلغاء الدعم، وتقليل النفقات الاجتماعية للحدود الدنيا، ووقف التوظيف الحكومي".

وأضاف إلى ذلك "بقية شروط صندوق النقد الدولي التي كان يتحفظ عليها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، للحفاظ على الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي الذي كان يعتقد أنه سيوفر له الحماية من الغضب الشعبي، لكنه مع ذلك ثارت الجماهير".

وقال إن "ما يثبت عظمة ثورة يناير، أنها صاغت شعارها بما يتسق تماماً مع مطالب الجماهير، فصكت شعار (عيش -حرية -عدالة اجتماعية) وهو الشعار الذي هتف به المتظاهرون الذين خرجوا إلى ميدان التحرير وانتشروا في ميادين وشوارع أخرى في مصر أثناء ثورة 25 يناير من أجل تحقيق المطالب التي نص عليها هذا الشعار".

ولفت إلى أن "تلك المطالب لم تحقق حتى الآن، فملايين المصريين لا يستطيعون الآن العيش بكرامة في ظل الغلاء والفقر المنتشر، حتى أنهم أصبحوا مهددين من قبل الحكومة في لقمة العيش نفسها، مع تكرار الرئيس السيسي وحكومته الحديث عن ضرورة رفع الدعم عن الخبز".

أما بالنسبة للحرية، فقال إن "القاصي والداني يعرف الوضع المتدهور في قضية الحريات، والتي هي بالمناسبة لا تقتصر على النخبة من السياسيين والمعارضين والصحافيين، لكنها تمتد إلى جميع طوائف المجتمع من العمال والفلاحين والموظفين، فالجميع الآن في مصر مسلوب الحرية بشكل أو بآخر".

وعن قضية العدالة الاجتماعية، قال السياسي إن "نظام 3 يوليو، أثبت انحيازه صراحةً منذ اليوم الأول، بأكثر من وسيلة، إلى طبقة الأغنياء لا الفقراء"، مضيفاً أن "سياساته تخدم فقط الطبقة الغنية من دون غيرها والتي لا تمثل أكثر من 5 في المائة من الشعب، هم الذين لديهم القدرة على شراء المنازل الفخمة في "كومباوندات" العاصمة الإدارية ومدينة العلمين الجديدة، والتي يقدر سعر أقل وحدة سكنية بها بخمسة ملايين جنيه (نحو 318 ألف دولار)".

وتابع: "أما باقي نسبة الـ95 في المائة من الشعب، فتعاني أشد المعاناة في توفير أبسط الحقوق الإنسانية من المأكل والملبس والتعليم والصحة، وبالتالي فإن قضية العدالة الاجتماعية ضائعة تماماً في نظام 3 يوليو".

خشية من انفجار في مصر

برلمانية سابقة موالية لنظام السيسي، "تخشى بشدة من لحظة الانفجار". وقالت في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" إن "البلد لا يتحمل ثورة جديدة، ولو حدث ذلك فإنه سيكون نتيجة سياسات الحكومة، التي يجب أن تنظر لأحوال الناس بجدية بعيداً عن المشروعات الوهمية التي لا تعود بفائدة على الشعب".

ورأت أن "القرارات التي اتخذها الرئيس السيسي في 19 يناير الحالي، والخاصة برفع الحد الأدنى للأجور وتوفير فرص عمل وصرف حوافز للموظفين، قبيل ذكرى 25 يناير، دليل على أن الحكومة تعلم جيداً أن الأحوال الاقتصادية للشعب سيئة، ولذلك تحاول رفع معنوياته".

ولفتت البرلمانية المصرية إلى أن حكومة ما قبل يناير 2011 "أعلنت في اليوم نفسه (19 يناير) نفس القرارات التي أعلن عنها الرئيس السيسي، أخيراً، إذ أعلنت عن وظائف جديدة، ورفع الحد الأدنى للأجور، وأنها سوف تحقق في شكاوى المواطنين، في محاولة لتفادي أي غضب شعبي محتمل، وهو ما حدث بالفعل وأطاح النظام كله".

وقالت إنه "منذ عام 2014، وحتى قبل قرار تعويم الجنيه، انخفضت العملة المصرية بنسبة كبيرة أمام العملات الأجنبية، كما أن الحد الأدنى السابق (2400 جنيه) لم يتم تطبيقه في هيئات كثيرة بالدولة، بحجة عدم وجود ميزانية".

قرارات لتفادي الغضب

وعن القرارات التي أعلن عنها السيسي برفع الحد الأدنى للأجور إلى 2700 جنيه، وغيرها، أكدت مصادر خاصة لـ"العربي الجديد" أنها "جاءت نتيجة تقارير رفعتها أجهزة أمنية إلى رئاسة الجمهورية، تحذر من تبعات السياسات الحكومية وتأثيرها السلبي على الناس، الأمر الذي يهدد بغضب شعبي".

وأوضحت المصادر أن "مثل هذه التقارير تكون دورية وهي تقليد متبع في مصر في الأنظمة السابقة، ولكن النظر إليها وتنفيذ ما فيها من توصيات، لا يحدث دائماً، لكنه يكون مرتبطاً بمناسبات بعينها، خصوصاً إذا كانت المناسبة هي ذكرى ثورة 25 يناير، ولذلك أعلن الرئيس عن تلك القرارات".

وإضافة إلى رفع الحد الأدنى، أقرت السلطات علاوتين بتكلفة نحو 8 مليارات جنيه، الأولى دورية للموظفين المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 7 في المائة من الأجر الوظيفي، والثانية علاوة خاصة للعاملين غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 13 في المائة من المرتب الأساسي.

بالإضافة إلى ذلك، تمت زيادة الحافز الإضافي لكل من المخاطبين وغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بتكلفة إجمالية حوالي 18 مليار جنيه، والإعلان عن تعيين 30 ألف مدرس سنوياً لمدة 5 سنوات، واعتماد حافز إضافي جديد لتطوير المعلمين بقطاع التعليم بنحو 3.1 مليارات جنيه، وتخصيص مبلغ 1.5 مليار جنيه لتمويل حافز الجودة الإضافي لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات.

أحد شباب ثورة يناير السابقين، قال في تصريحات لـ"العربي الجديد" إنه لا ينتظر إصلاحاً من النظام الحالي على كل المستويات، سواء الاقتصادية والاجتماعية، أو السياسية.

وأضاف "أن النظام أثبت خلال سنوات حكمه الثماني، أنه معادٍ لهذا الشعب، وهو ما يخالف القسم الذي أقسمه الرئيس عند تسلمه الحكم وهو (أن يرعى مصالح الشعب رعاية كاملة)".

وتابع: "سقط الملايين من المنتمين للطبقة الوسطى في براثن الفقر بعد أن كانوا يعيشون في الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، كما سُجن عشرات الآلاف من الشباب لسنوات من دون محاكمات، ولمجرد أنهم عارضوا النظام".

ورأى أن "الإصلاح من الداخل أمر مستبعد تماماً، لا سيما مع إصرار النظام على إحكام سيطرة الجيش على مفاصل الدولة، ويد الأمن التي تزداد بطشاً يوماً بعد آخر، والتي تواجه أي محاولة للتعبير عن الغضب بعنف كما حدث في تظاهرات سبتمبر/أيلول 2019".

وقال القيادي الثوري السابق: "أنا لست قلقاً من تأخر عملية التغيير، لأن النظام الآن يعتقد أنه أحكم السيطرة على البلد بما لا يترك مجالاً للثورة عليه، ولكن الحقيقة أن طبيعة الثورات أنها تكون نتيجة تفاعل عوامل عدة، وهو ما يحدث حالياً، ثم تأتي بشكل طبيعي لتنقذ الدولة ممن يدعون أنهم يدافعون عن الدولة".

تكرار تصرفات نظام حسني مبارك

في الإطار نفسه، رأى خبير سياسي مصري، تحدث لـ"العربي الجديد" طالباً عدم ذكر اسمه، أن "النظام الحالي استسهل الضغط على المواطنين البسطاء، ظناً منه أنهم لن يكون بمقدورهم إظهار الغضب مجدداً، في ظل القبضة الأمنية، وترسانة القوانين التي تكبّل أي دعوات من شأنها إظهار الغضب، من دون أن يدرك أن نظام مبارك تعامل بالعقلية نفسها".

وتابع أن "النظام بدلاً من أن يبحث عن مصادر لإصلاح الخلل الذي سبّبته سياساته، وأدت إلى عجز الموازنة بعيداً عن جيوب الفقراء، ومحدودي الدخل، قام بفرض المزيد من الضرائب عليهم".

وشدد على أن "السياسات التي يتّبعها النظام الحالي، والتي يتعامل من خلالها بسياسة العصا الغليظة، غير مسبوقة وسيترتب عليها زيادة معدل الفقر، ومن دون أن يدري سيكون الانفجار آتياً لا محالة".

العربي الجديد

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : ( 1000) حرف