الدكتور "سجاد عابدي" خبير في الشؤون الأمنية، حاصلٌ على درجة الدكتوراه في دراسات الأمن القومي من مركز الدراسات الدولية بجامعة إم.آي.تي في الولايات المتحدة الأمريكية وباحث في الدراسات المستقبلية، وقد شغل سابقًا في مجلس إدارة جمعية الدفاع المدني في الجمهورية الاسلامية الإيرانية. كما أنه عضو في مركز أبحاث الدفاع والأمن القومي، ومحاضر في كلية القيادة والأركان، ومدير مجموعة العلاقات الدولية في الجمعية الجيوسياسية الإيرانية، ومدير مجموعة اللغة التخصصية في معهد دراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية. وقد نُشرت له مقالات وأعمال بحثية متعددة في مجالات القيادة والسيطرة، ونظريات الأمن، وتحليل المعلومات وتفسيرها، والتنظير السيبراني، وصناعة الخطاب الأمني.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه موقع قناة العالم مع مستشار أسبق لوزير الإتصالات الإيراني وخبير في الشؤون الأمنية د. سجاد عابدي :
خلال أحداث الشغب.. كيف استخدم أعداء إيران الأمن السيبراني؟ وما هي المراحل؟
في أحداث الشغب، اعتمد أعداء إيران على الأمن السيبراني كأداة مركزية في الحرب غير المتكافئة، من خلال الدمج بين العمليات التقنية والحرب النفسية والإعلامية. ويمكن تقسيم هذا الاستخدام إلى عدة مراحل مترابطة:
- مرحلة جمع المعلومات والرصد:
جرى خلالها تتبع المزاج العام، ورصد النقاط الاجتماعية الحساسة، وجمع البيانات من منصات التواصل، إضافة إلى مراقبة البنية التحتية الرقمية ونقاط الضعف المحتملة.
شملت محاولات اختراق منصات وخدمات رقمية، والهجوم على مواقع رسمية وإعلامية، ونشر أدوات تجاوز الحجب، إلى جانب السعي لإرباك أنظمة الاتصالات والبنية السيبرانية.
مرحلة الحرب النفسية والإعلامية. تم خلال هذه المرحلة ضخ كميات هائلة من المحتوى الموجّه (نصوص، صور، فيديوهات، شائعات) بهدف تأجيج الشارع، وتضخيم الأحداث، وكسر الثقة بالمؤسسات، وصناعة صورة فوضوية عن الوضع الداخلي.
استُخدمت المنصات الرقمية لتنسيق التحركات الميدانية، والتحريض على العنف، وربط الداخل بالخارج عبر غرف عمليات إعلامية وسيبرانية تعمل بشكل متزامن.
- مرحلة الاستدامة والضغط الطويل:
هدفت إلى إطالة أمد الاضطرابات، ومنع عودة الاستقرار، عبر إعادة تدوير المحتوى، واستغلال أي حادثة أو خطأ لإعادة إشعال الفضاء الرقمي.
بشكل عام، كان الأمن السيبراني جزءًا من حرب مركبة، لم تُستخدم فيه التكنولوجيا كوسيلة تقنية فقط، بل كسلاح استراتيجي للتأثير في الوعي، والسلوك، والاستقرار الداخلي.
كيف تُقيِّم تعاطي القوات الأمنية الإيرانية مع الحرب الأمنية التي شُنَّت ضدها؟
يمكن تقييم تعاطي القوات الأمنية الإيرانية مع الحرب الأمنية على أنه قائم على مبدأ الاستجابة المركّبة، حيث جمعت بين الأدوات الميدانية والإجراءات السيبرانية والإعلامية في آنٍ واحد.
- أولًا، على المستوى السيبراني، عملت الجهات المعنية على تعزيز حماية البنية التحتية الرقمية، واحتواء محاولات الاختراق والتشويش، إضافة إلى اتخاذ إجراءات مثل تقييد بعض خدمات الإنترنت في فترات حساسة بهدف الحد من التنسيق الرقمي الواسع للاحتجاجات.
- ثانيًا، على المستوى الميداني، ركّزت القوات الأمنية على احتواء الاضطرابات ومنع اتساع رقعتها، مع محاولة الفصل بين الاحتجاجات ذات الطابع المطلبي وأعمال العنف أو التخريب.
- ثالثًا، على المستوى الإعلامي، سعت المؤسسات الرسمية إلى تقديم روايتها للأحداث، والتصدي لحملات التضليل والمعلومات الموجّهة التي انتشرت عبر منصات التواصل.
من زاوية تحليلية، يرى البعض أن هذه المقاربة ساهمت في استعادة السيطرة ومنع انهيار أمني واسع، بينما ينتقد آخرون بعض الإجراءات، خصوصًا ما يتعلق بتقييد الإنترنت، باعتبارها ذات كلفة اجتماعية واقتصادية. لذلك، يمكن القول إن التعاطي اتسم بالصرامة والسرعة في مواجهة التهديد، لكنه أثار في الوقت نفسه نقاشًا داخليًا وخارجيًا حول التوازن بين الأمن والحقوق الرقمية.
ستارلينك تم استخدامه في مناطق مختلفة ولكن لم يتمكن احد من الحد من تأثيره كما حدث في إيران، فهل يعني ذلك تطورًا هائلًا غير متوقع في الأمن السيبراني الإيراني؟
إن التعامل مع استخدام ستارلينك في إيران يختلف عن تجارب دول ومناطق أخرى، ويعكس مقاربة أمنية–سيبرانية أكثر تعقيدًا وتنظيمًا. فالحد من تأثير ستارلينك في الحالة الإيرانية لا يعني بالضرورة تعطيل التكنولوجيا نفسها، بل تقليص فعاليتها العملياتية ضمن بيئة أمنية مغلقة ومُراقَبة.
ما جرى يشير إلى عدة عوامل متداخلة:
- أولًا، تطور في قدرات الرصد والتشويش، سواء على مستوى تتبع الأجهزة، أو التحكم في البيئة التشغيلية التي تحتاجها هذه المنظومات للعمل بفاعلية.
- ثانيًا، الإدارة الميدانية لاستخدام التكنولوجيا، عبر تقليل قدرتها على التحول إلى أداة تنسيق جماعي واسع أو بديل مستقر لشبكات الاتصال الوطنية.
- ثالثًا، الربط بين الأمن السيبراني والأمن الداخلي، بحيث لا يُنظر إلى ستارلينك كأداة تقنية فقط، بل كجزء من معركة سيادة وسيطرة على الفضاء المعلوماتي.
لذلك، يمكن القول إن ما حدث لا يعكس فقط تطورًا تقنيًا مفاجئًا، بل نضجًا في العقيدة السيبرانية الإيرانية التي باتت تتعامل مع التقنيات العابرة للحدود كأدوات صراع، وتطوّر وسائل احتوائها دون الحاجة إلى مواجهتها بشكل مباشر أو معلن.
هل تعتقد أن حجم الأهداف التي توصلت اليها حنظلة في اختراق العمق السياسي الإسرائيلي ساهم في إحباط محاولات الأعداء؟
نعم، يمكن القول إن حجم ونوعية الأهداف التي أعلنت حنظلة الوصول إليها داخل العمق السياسي والأمني الإسرائيلي كان له أثر نفسي وإعلامي يتجاوز البعد التقني البحت. فهذه الاختراقات، سواء أكانت كاملة أم جزئية، ساهمت في كسر صورة التفوق المطلق للخصم في المجال السيبراني، وأعادت توجيه بوصلة الصراع إلى داخل ساحته الحساسة.
من ناحية الحرب السيبرانية، هذا النوع من العمليات يحقق عدة نتائج:
- أولًا، تشتيت الجهد الأمني للخصم وإجباره على الانتقال من الهجوم إلى الدفاع.
- ثانيًا، رفع كلفة الاستهداف المعاكس، لأن أي تصعيد ضد إيران أو حلفائها يصبح مرفقًا بمخاوف من رد سيبراني مماثل.
- ثالثًا، تعزيز الردع المعنوي، ليس فقط لدى الخصم، بل أيضًا في بيئة الصراع الأوسع، من خلال إظهار أن العمق السياسي ليس بمنأى عن الاختراق.
وعليه، حتى لو لم تكن هذه العمليات العامل الحاسم وحدها في إحباط محاولات الأعداء، فإنها شكّلت عنصر ضغط مكمّل ساهم في تعديل ميزان التأثير، وفرض معادلة مفادها أن الحرب السيبرانية لم تعد طريقًا باتجاه واحد.
تم استخدام التكنولوجيا وتطويعها بشكل واضح من خلال حجم البيانات التي اغرق بها مواقع التواصل الاجتماعي لاستهداف إيران، كيف تقيم قدرة إيران التكنولوجية رغم الصمت التكنولوجي و قطع الإنترنت خلال أحداث الشغب؟
إن استخدام التكنولوجيا بشكل مكثّف عبر إغراق شبكات التواصل بكمٍ هائل من البيانات والمحتوى الموجّه يُعدّ جزءًا من حرب معلوماتية منظمة، تهدف إلى التأثير في الرأي العام وصناعة حالة إدراكية ضاغطة. في هذا السياق، يمكن تقييم قدرة إيران التكنولوجية من خلال عدة مستويات:
- أولًا، القدرة على إدارة الفضاء الرقمي داخليًا، سواء عبر أدوات الرصد والتحليل، أو من خلال التحكم في تدفق البيانات أثناء الأزمات، بما في ذلك تقنين أو تقييد بعض الخدمات عند الضرورة الأمنية.
- ثانيًا، تطوير بنية تحتية رقمية وطنية تسعى إلى تقليل الاعتماد على المنصات الخارجية، وتعزيز السيادة المعلوماتية، وهو ما يمنح هامشًا أوسع للتحكم في الأزمات الرقمية.
- ثالثًا، الاستجابة للحرب النفسية الرقمية، عبر بناء منصات بديلة، وإنتاج رواية مضادة، ومحاولة احتواء حملات التضليل.
ومع ذلك، فإن قطع الإنترنت أو تقليصه، رغم فعاليته التكتيكية في الحد من التنسيق السريع أو من تدفق المحتوى الخارجي، يحمل كلفة اقتصادية واجتماعية وتقنية، وقد يخلق تحديات تتعلق بثقة المستخدمين واستمرارية الأعمال.
بصورة عامة، يمكن القول إن التجربة أظهرت أن إيران تمتلك أدوات تكنولوجية تمكّنها من إدارة الأزمات الرقمية بدرجة ملحوظة، لكن المعركة في الفضاء السيبراني تظل ديناميكية ومفتوحة، وتتطلب تطويرًا مستمرًا لتحقيق توازن بين الأمن الرقمي والانفتاح التكنولوجي.