عاجل:

سردية النصر المأزومة: خطاب ترامب في مهب الانقسام الأمريكي والقلق العالمي

الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٦
٠٧:٤٤ بتوقيت غرينتش
سردية النصر المأزومة: خطاب ترامب في مهب الانقسام الأمريكي والقلق العالمي في مشهد سياسي يعيد تعريف مفهوم القيادة في زمن الأزمات، جاء خطاب دونالد ترامب حول الحرب على إيران ليفجّر موجة من الأسئلة التي تجاوزت حدود الميدان العسكري إلى عمق المؤسسة السياسية الأمريكية. بين لغة “الحسم الملحمي” التي تبناها الرئيس، وواقع الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بدت واشنطن وكأنها تعيش حالة انفصام بين رواية السلطة وهواجس الشارع. في السياسة، هناك لحظات يتكلم فيها القادة ليشرحوا الواقع… وهناك لحظات يتكلمون فيها ليقنعوا أنفسهم أولاً، ويبدو أن هذا الخطاب انتمى بوضوح إلى الفئة الثانية، حيث أُعلن النصر بصيغة المضارع، فيما تولّت الوقائع تفكيكه بلغة الأرقام.

تسعة عشر دقيقة من الكلام بدأت بتهنئة ناسا على رحلة إلى القمر، وانتهت بمحاولة إقناع الأمريكيين أن الحرب على الأرض “انتهى الجزء الأصعب فيها”. غير أن المفارقة كانت صارخة: الطريق إلى القمر بدا أوضح من مسار هذه الحرب. خطاب يعلن الحسم ويؤسس للتصعيد في آنٍ واحد، يَعِد بالنهاية ويؤجلها، ويقدّم صورة انتصار لا تجد صداها في الداخل القلق ولا في المؤشرات الاقتصادية المتصاعدة، وكأن المشكلة لم تعد في الحرب نفسها، بل في القدرة على تسويقها كـ” انتصار” مقنع.

أولا: نصر في الخطاب… وارتباك في الواقع

حاول دونالد ترامب خلال خطاب استمر 19 دقيقة تثبيت سردية “النصر الكامل”، معلناً تدمير القدرات الإيرانية، لكن التناقض الداخلي في كلامه سرعان ما برز. فإعلان “انتهاء الجزء الأصعب” ترافق مع تهديد بضربات أوسع وأكثر تدميراً، ما دفع وسائل مثل Reuters وThe New York Times وThe Washington Post إلى اعتبار الخطاب أقرب إلى “دعاية داخلية” تفتقر إلى خطة خروج واضحة. هكذا تحوّل إعلان النصر إلى مادة نقد، إذ بدا أن الخطاب يحاول تعويض غياب النتائج الملموسة بسقفٍ لفظي مرتفع.

في مضمونه، قدّم الخطاب معادلة متناقضة: نصر مُعلن يتطلب استمرار الحرب. هذا التناقض التقطته أيضًا تغطيات CNN التي أشارت إلى غياب رؤية لما بعد الصراع، فيما رأت تحليلات صحفية أن الخطاب يبالغ في تصوير الإنجازات دون تقديم مسار سياسي واضح. النتيجة كانت صورة خطابية منفصلة عن الواقع: إنجازات كبرى بلا ترجمة عملية، وتصعيد مستمر بلا نهاية محددة، ما جعل الخطاب يبدو أقرب إلى محاولة تثبيت رواية منه إلى عرض استراتيجية قابلة للتنفيذ.

ثانياً: "جغرافيا البنزين" تصطدم بـ "جغرافيا الحروب"

لعل أخطر ما واجهه خطاب ترامب ليس نقد الخصوم السياسيّين فحسب، بل "ثورة الأرقام" في الداخل الأمريكي. فبينما كان الرئيس يتحدث عن "السيطرة على مضيق هرمز"، كان المواطن الأمريكي يراقب بقلق عداد محطة الوقود.

  • الضغط الشعبي: أظهرت استطلاعات الرأي أن 66% من الأمريكيين يطالبون بإنهاء التورط العسكري فوراً، حتى لو لم تتحقق الأهداف المعلنة.
  • الأثر الاقتصادي: الربط المباشر بين الحرب وارتفاع أسعار الوقود جعل خطاب القوة يبدو "مكلفاً" وغير شعبي، مما أدى لتراجع شعبية ترامب إلى 36%.

هنا تحولت الحرب من ملف سياسة خارجية بعيد، إلى أزمة معيشية يومية تمس جيب المواطن، وهو ما استثمره الديمقراطيون (مثل غافن نيوسوم وإليزابيث وارن) لتحويل الخطاب من منصة قوة إلى دليل على "التهور الاقتصادي".

ثالثاً: العزلة الاستراتيجية والقلق الدولي

عالمياً، لم ينجح الخطاب في طمأنة الحلفاء أو ردع الخصوم بالقدر المطلوب. فالقلق الأوروبي، الذي عكسه تحليل BBC وThe Guardian، تركز على غياب "العقلانية السياسية". فالدعوة للاستيلاء على ممر دولي كمضيق هرمز والتهديد بتدمير شامل لبنية تحتية مدنية، أعطى انطباعاً بـ "أمريكا غير القابلة للتنبؤ"، وهو توصيف يضعف دور الولايات المتحدة كقوة قيادية ضامنة للاستقرار الدولي.

رابعاً: تصدع الجبهة الداخلية.. حتى "الصقور" يترددون

لم يكن الانقسام محصوراً بين الجمهوريين والديمقراطيين؛ بل امتد إلى داخل المعسكر المحافظ نفسه. فبينما دعم "صقور" مثل ماركو روبيو خطاب الحسم، برزت أصوات (مثل ليندسي جراهام) تفتح الباب لمسارات دبلوماسية، مما يعكس إدراكاً بأن القوة العسكرية وحدها باتت عاجزة عن إنتاج "حل نهائي" في ظل تعقيدات المشهد الإيراني.

خاتمة: هل نحن أمام "نموذج قيادة" أم "أزمة نظام"؟

في نهاية المطاف، لم يكن خطاب ترامب مجرد تحديث عسكري، بل كان لحظة كاشفة لهشاشة السردية الأمريكية المعاصرة. حين تصف كاتبة أمريكية مثل سارة لانغويل خطاب رئيسها بـ "الجنون السياسي"، وحين يربط الشارع بين "النصر" وبين "سعر الجالون"، نكون أمام أزمة نموذج كامل.

إن القوة التي لا تستند إلى رؤية سياسية واضحة، والخطاب الذي يتجاهل التكلفة الاجتماعية والاقتصادية، يتحولان بمرور الوقت من أداة للردع إلى مادة للانتقاد العالمي. ويبقى السؤال المعلق: هل تستطيع واشنطن إغلاق قوس الحرب بـ "خطاب"، أم أن الواقع الميداني والاقتصادي سيفرض شروطه بعيداً عن منصات الخطابة؟

في النهاية، المشكلة في خطاب ترامب ليست أنه حاد أو صدامي—هذا متوقع.
المشكلة أنه حاول الجمع بين كل شيء في آنٍ واحد:

  • إعلان النصر
  • تبرير استمرار الحرب
  • تهديد بالمزيد
  • والدعوة للتفاوض

والنتيجة؟

خطاب لا يقنع الداخل… ولا يطمئن الخارج… ولا يحدد المسار.

لهذا، لم يكن مستغربًا أن تتحول تغطية الصحافة الأمريكية من تحليل الخطاب إلى التشكيك فيه، ومن مناقشة مضمونه إلى السخرية من منطقه.

وفي لحظة تختلط فيها الحرب بالاقتصاد، والسياسة بالمعيشة اليومية، يصبح الحكم النهائي بسيطًا جدًا:

ليس المهم ما يقوله الرئيسبل ما يشعر به المواطن الأمريكي.

بقلم: د. أكرم شمص

0% ...

آخرالاخبار

رغم تعرضها للعدوان.. إيران ترفع صادرات النفط وتؤكد جاهزيتها لكل السيناريوهات


العميد قاآني: قائد حاملة الطائرات جيرالد فورد وبعد أسبوعين من التردد وبقصة مختلقة هرب من البحر الأحمر والمنطقة


قائد قوة القدس في حرس الثورة العميد إسماعيل قاآني: على ترامب المجرم أن يقيل قائد حاملة الطائرات جيرالد فورد أيضاً فهو لم يجرؤ على عبور مضيق باب المندب خوفاً من المجاهدين الأبطال والشعب اليمني الصامد


الفيفا يرفع أسعار تذاكر كأس العالم


مليونية "البنيان المرصوص" اليمنية دعما لإيران ومحور المقاومة


الحرس الثوري ينفي صلته بالهجوم على السفارة الأمريكية بالرياض ويحذر..


رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشورى الإيراني موسوي أحمدي: صادرات إيران النفطية لم تتراجع بل ارتفعت كماً ونوعاً


العدوان الصهيوامريكي على المنطقة الاقتصادية الخاصة للبتروكيماويات في مدينة ماهشهر، في خوزستان جنوب غرب ايران


مقر خاتم الأنبياء: أي اعتداء على المراكز الدبلوماسية الإيرانية، سيقابل باستهداف جميع سفارات الكيان الصهيوني في المنطقة


خبراء بالقانون الدولي: الهجمات الأمريكية على إيران "جريمة حرب"


الأكثر مشاهدة

سردية النصر المأزومة: خطاب ترامب في مهب الانقسام الأمريكي والقلق العالمي


بزشكيان يؤكد عزم ايران الراسخ للدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان


في الموجة 91 من "الوعد الصادق4"..هجمات صاروخية عنيف على تل ابيب وحيفا


مصر: نواصل العمل على تخفيف التصعيد في المنطقة


العميد شكارجي: استراتيجيتنا هي معاقبة المعتدي حتى ندمه الكامل


موجة صاروخية ايرانية جديدة باتجاه الأراضي المحتلة


وسائل إعلام عبرية: صفارات الإنذار تدوي في مستوطنات الشمال خشية تسلل مُسَيَّرات


السيناتور الديمقراطي كريس كونز تعليقاً على إقالة وزير الحرب رئيس أركان الجيش الأميركي: أشعر بالقلق من استهداف الجنرال راندي جورج


الديمقراطي كونز: إقالة جورج جزء من سلسلة مروعة من عمليات التطهير واختبارات الولاء التي أجراها الوزير هيغسيث والتي تهدد بإضعاف جيشنا


النائب الديمقراطي جورج وايتسايدز: هجمات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث متواصلة ضد الجنرالات الأكثر قدرة منه


السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي: وزير الحرب بيت هيغسيث يقيل الكثير من الجنرالات ذوي الخبرة في الوقت الحالي