ما يجعل الصورة لافتة ليس فقط رمزها الديني، بل تكرارها المنتظم وتوقيتها وارتباطها بذاكرة قتلى الجيش الإسرائيلي، ما يحولها من طقس فردي إلى رسالة عامة ذات أبعاد سياسية واضحة.
ما هو “التيفيلين”؟
“التيفيلين” هو أحد الطقوس اليهودية الأساسية:
• علب جلدية سوداء صغيرة تحتوي على آيات من التوراة (أساسًا من سفر التثنية)
• تُربط على الذراع الأيسر والرأس أثناء صلاة الصباح
• ترمز إلى ربط الفكر بالفعل، والنية بالتطبيق
في الأصل هو طقس فردي يومي للرجال اليهود المتدينين، يرمز إلى ربط العقل بالعمل.
لكن عندما يُستخدم علناً من قبل رئيس الوزراء، يتحول إلى رمز هوية جماعية يتجاوز معناه الروحي.
من طقس ديني إلى رمز سياسي متكرر
منذ عام 2024، لم تعد صورة نتنياهو بالتيفيلين حدثًا معزولًا، بل أصبحت نمطًا متكررًا:
• 2024: وضع تيفيلين جندي قُتل بطلب من والدته
• 2025: تيفيلين جندي قُتل في غزة
• 2026: تيفيلين الجندي شون كارميلي، القتيل في عملية “الجرف الصامد” 2014
في كل مرة، يتم ربط الطقس مباشرة بـ“تضحية الجنود”، وغالبًا ما يظهر نتنياهو في يوم الذكرى الإسرائيلي، ما يمنح الصورة بعدًا سياسيًا-عاطفيًا مضاعفًا.
ليس لأن نتنياهو تحول فجأة إلى “حاخام”، بل لأنها استراتيجية تعبوية واضحة في سياق حرب طويلة ومجتمع منقسم.
هذا التكرار لا يبدو عفويًا، بل يعكس تحولًا في توظيف الرموز الدينية داخل الخطاب الرسمي للدولة خلال الحرب.
سياق الصورة
انتشار الصورة في يوم الذكرى الإسرائيلي يضيف لها طبقات متعددة:
• عاطفيًا: استحضار الجنود القتلى ومشاعر الفقد الجماعي
• وطنيًا: تعزيز فكرة التضحية من أجل بقاء الدولة
• رمزيًا: تحويل الذكرى إلى لحظة ذات بعد شبه “مقدس”
في هذا السياق، لا تصبح الصورة مجرد طقس، بل جزءًا من إدارة الذاكرة الوطنية في لحظة حرب مستمرة.
ما بعد 7 أكتوبر: تحول الخطاب
بعد أحداث هجوم 7 أكتوبر 2023، شهد الخطاب السياسي الإسرائيلي تحولًا تدريجيًا نحو لغة أكثر وجودية، حيث:
• تراجعت اللغة الأمنية التقليدية
• وحلت محلها مفردات “البقاء” و“المعنى” و“الهوية”
• وازداد حضور الرموز الدينية في الخطاب العام
في هذا السياق، لم يعد التيفيلين مجرد طقس، بل أصبح جزءًا من سردية تعبئة داخلية.
“تديين متعمد للصراع”؟
ما يحدث ليس تدينًا بالمعنى العقائدي، بل تسييس متزايد للرموز الدينية داخل سياق الصراع.
يمكن تفكيكه إلى ثلاث طبقات:
1) استخدام تكتيكي للدين
الدين يُستخدم هنا كأداة:
• لتوحيد الداخل الإسرائيلي
• ورفع المعنويات في زمن الحرب
• وإعادة صياغة الصراع بلغة مفهومة شعبيًا
2) إعادة تعريف طبيعة الصراع
يتحول الصراع تدريجيًا من:
نزاع سياسي/أمني
إلى:
صراع وجودي مرتبط بالهوية والتاريخ والذاكرة
وهذا التحول يرفع من سقف التعقيد السياسي ويجعل التسويات أصعب.
3) تداخل الهوية والسياسة
في السياقات الممتدة من الصراع، يصبح الفصل بين:
• الديني
• القومي
• السياسي
أكثر ضبابية، ويبدأ كل رمز في أداء وظيفة سياسية إلى جانب معناه الأصلي.
مخاطر سياسية
هذا التداخل بين الدين والسياسة داخل سياق الحرب يحمل ثلاث نتائج محتملة:
1) تعقيد التسويات السياسية
لأن الصراع لا يُقرأ كخلاف مصالح، بل كخلاف هوية.
2) إطالة أمد الصراع
كل طرف يرى نفسه جزءًا من “رسالة” أو “مهمة تاريخية”، لا مجرد لاعب سياسي.
3) تضييق مساحة الحلول الوسط
لأن التنازل قد يُفهم كتنازل عن معنى وجودي وليس قرارًا سياسيًا.
تحول عميق
صورة نتنياهو بالتيفيلين ليست مجرد طقس ديني،
ولا حتى “لقطة دعائية عابرة”، بل انعكاس لتحول أعمق في طبيعة الخطاب السياسي داخل إسرائيل، وتحويل الصراع من “نزاع سياسي/أمني” إلى “سردية وجودية مقدسة”.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل يمكن إنهاء حرب تُقدَّم باعتبارها جزءًا من هوية مقدسة لا مجرد قرار سياسي؟
بقلم: وائل الغول..باحث مصري متخصص في الشؤون الاسرائيلية