واضافت الصحيفة، "على الرغم من وقف إطلاق النار الأخير بين واشنطن وطهران، تواصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرض قيود على مرور السفن عبر مضيق هرمز. ورداً على ذلك، فرضت واشنطن ما يُسمى بالحصار البحري للمضيق، وأرسلت آلاف الجنود إلى المنطقة. وتأتي كل هذه الإجراءات في أعقاب تهديدات عديدة من الرئيس الأمريكي، بما في ذلك تهديده بـ"تدمير الحضارة الإيرانية". ومع ذلك، لم تُفلح هذه التهديدات في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي كان مفتوحاً قبل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة!".
وكتبت الصحيفة تقول:
والآن يطرح السؤال نفسه: لماذا لم تُجدِ تهديدات ترامب، المُطعّمة بمطالب متطرفة، نفعاً؟ في الواقع، يبدو أن دبلوماسية ترامب الصاخبة والفارغة قد قوّضت فرص السلام بين واشنطن وطهران. لفهم ذلك، من الضروري دراسة رؤيته للدبلوماسية.
في العديد من خلافاته وجداله، يعتمد ترامب على نسخة من "نظرية الرجل المجنون". يشبه نهجه نسخة مشوهة، على غرار شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، لشعار ثيودور روزفلت الشهير: "أحدث ضجة ولوّح بمضرب غولف ضخم في الهواء في الوقت نفسه".
عملياً، غالباً ما يعني هذا النهج تهديدات صاخبة دون استراتيجية واضحة أو موثوقة. وعلى الرغم من استخدامه المبتكر نسبياً (!) لهذه النظرية، إلا أنها كانت معيبة للغاية، إن لم تكن فاشلة تماماً.
صاغ هاري روبنز هالديمان، المساعد السياسي للرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون، مصطلح "نظرية الرجل المجنون"، وطوّرها لاحقاً الخبير الاقتصادي ومنظّر الردع توماس شيلينغ والمحلل العسكري دانيال إلسبرغ.
نظرية الرجل المجنون هي أسلوب ردع يجب استخدامه في ظروف محدودة. إنها تبعث برسالة إلى العدو: "لا تفعل هذا، وإلا ستكون العواقب وخيمة".
لكن لكي تنجح هذه النظرية، يجب أن يقتنع العدو بأن التهديد سيُنفذ. وكلما تكررت التهديدات أو أصبحت غريبة، كلما فقدت نظرية "الرجل المجنون" مصداقيتها. وقليلٌ هي قصص النجاح التي حققتها هذه النظرية.
لقد قوبل تهديد ترامب بـ"تدمير إيران" بردود فعل سلبية قوية من الرأي العام الأمريكي، حتى بين مؤيديه. هذه المعارضة الشعبية لسلوك هذا الرجل المتهور تُضعف مصداقيته وفعاليته.
علاوة على ذلك، فإن الذخيرة الأمريكية تتناقص بسرعة. لنأخذ على سبيل المثال صواريخ توماهوك المجنحة؛ ففي غضون أربعة أسابيع فقط، أطلقت الولايات المتحدة نحو 850 صاروخًا من أصل 3100 صاروخ لديها على إيران، بينما لا تنتج سوى 90 صاروخًا سنويًا. هاتان الحقيقتان وحدهما تجعلان تهديدات ترامب غير فعالة. كما أن استخدام ترامب المتكرر للخطابات الرنانة قد زاد من تآكل مصداقيته. فقد أطلق سلسلة واسعة من التهديدات، بما في ذلك "النار والغضب" ضد كوريا الشمالية، والتهديد بالانسحاب من حلف الناتو، وحتى "الاستيلاء" على غرينلاند. لقد تحولت هذه التهديدات إلى قصة "الراعي الكاذب"، مما يجعل من الصعب تصديقها.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا إساءة ترامب استخدام نظرية الرجل المتهور. يواصل ترامب توجيه انتقادات لاذعة لإيران، قائلاً: "وإلا، فسأفجر كل شيء". يعكس هذا الخطاب ما يسميه شيلينغ "الاجبار"، أي محاولة إجبار الخصم على تغيير سلوكه، وليس "الردع" الذي يهدف إلى منع أي عمل من الأساس. الاجبار أصعب وأكثر خطورة من الردع، لأنه يُلزم الخصم بالتخلي عن الوضع الراهن. ولهذا السبب، غالباً ما تفشل تهديداته في تغيير سلوك إيران، بل تؤدي إلى توتر وردود فعل.
لقد وضع إفراط ترامب في استخدام نظرية "الرجل المجنون" الولايات المتحدة في موقف حرج. فقد ازداد خطر التدخل الأعمق في الشرق الأوسط في وقتٍ بات فيه هامش الخطأ في السياسة الخارجية الأمريكية محدوداً. ومع ذلك، لا يُقدّم النهج الحالي مساراً واضحاً لخفض التصعيد أو تحقيق النجاح.
تواجه الولايات المتحدة شكلاً من أشكال الترهيب غير الفعال والفج في حربها مع إيران؛ فهذا النوع من الترهيب يُولّد توتراً ولكنه لا يُوفّر أي نفوذ أو قوة ضغط. لم يُسفر استناد ترامب إلى نظرية الرجل المجنون عن خلق الأمن أو الاستقرار؛ بعبارة أخرى، لم يكشف إلا عن جنون وفوضى السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران.