في تلك القاعة المكيفة، كان من السهل على المتفرج أن يظن أن سبع دول عربية مجتمعة على كلمة واحدة. لكن خلف الكاميرات، كان المشهد مختلفاً تماماً: الإمارات تنسحب من "أوبك" دون إشعار مسبق، وسلطنة عُمان تختار غياباً تاماً، وقطر تعلن موقفاً يتحدى سياسات جارتها، بينما تلتهم البحرين والكويت أعينهما في صمت المفزوعين.
إنها لحظة تختصر أزمة خليجية عمرها أربعة عقود، وتجسّد بصدق تلك الآية التي باتت وصفاً دقيقاً لحال "الأخوة": "تحسبهم جمعاً وقلوبهم شتى". فالخليج الفارسی الذي طالما تغنّى بمجلس تعاون هو الأكثر ترابطاً في المنطقة، انكشف اليوم على حقيقته: فسيفساء من الإمارات المتنافرة، كل قطعة تسحب في اتجاه مختلف.
ولعل أصدق مقياس لهذا التشرذم هو الرهانات الجديدة التي تراهن عليها العواصم الخليجية الثلاث الكبرى بعد التحول الجيوسياسي الذي شهده مضيق هرمز. فالإمارات، التي أيقنت أن العباءة الأمريكية لم تعد تغطيها من قصف الصواريخ، وأن التنسيق الخليجي صار عبئاً لا فرصة، راهنت على "الدولة القوية بذاتها": تحالفات ثنائية مرنة مع الكيان الصهيوني اللقيط (ها هي القبة الحديدية تنشر في سماء أبوظبي)، ومع الصين (لتمويل ورؤية تكنولوجية)، ومع تركيا (للمسيرات والنفوذ)؛ إلى جانب تحرير نفطها من قيود "أوبك" كي تصبح سلعة في يدها، وموقعها كمركز مالي بديل. في الجهة الأخرى، وجدت السعودية نفسها فجأة وقد خسرت شريكها النفطي الأهم، فأمسكت بعصا "أوبك+" بقوة أكبر، وهي تراهن على أن تبقى قائدة للعرب والسنة، وعلى أن رؤيتها 2030 القائمة على أسعار نفط لا تقل عن ثمانين دولاراً ستمضي، وعلى علاقتها بأمريكا رغم خيبات الأمل. أما قطر، التي تعرف طعم الحصار جيداً، فاختارت حياداً ذكياً: تراهن على الغاز لتصبح عاصمة الطاقة النظيفة لأوروبا وتضمن الأمن لخط امداد أصبح مهددا، وعلى دور الوسيط الذي يحتاجه الجميع بين طهران وواشنطن، بين غزة وتل أبيب. ثلاث رهانات متنافرة، لا تتصادم بالضرورة، لكنها تجعل "الموقف الخليجي الموحد" أشبه بالسراب.
على بعد أميال قليلة من قاعة جدة، لكن على النقيض تماماً من حيث الروح، يقف "محور المقاومة" الذي راهن الكثيرون على انهياره تحت وطأة العقوبات والاغتيالات الصهيوأمريكية، خرج من حرب غزة وصراع هرمز أكثر تماسكاً من أي وقت مضى. ليس تماسكاً سطحياً، بل تماسكاً يقوم على "العدو المشترك" و"المصير المتشابك". فإيران لا تطلب من حلفائها التخلي عن سيادتهم، بل تزودهم بالسلاح والمال والتدريب، وفي المقابل أصبح لمحور المقاومة عمقاً استراتيجياً: فأنصار الله يقلبون المعادلة في البحر الأحمر، وحزب الله يرعب شمال الكيان الصهيوني، وفصائل المقاومة العراقية ترعب القواعد الأمريكية. إنها وحدة عضوية. طبعاً هذا المحور المتماسك لا يخلو من صعاب وهو محصن بطبعه، لكنه يواجه ضغوطا ينجح في تجاوزها. فاليمن تواجه التراث القبلي، وحزب الله يراوغ في المستنقع اللبناني، والفصائل العراقية تتقاذفها مرجعيات دينية متباينة. غير أن كل هذه العوائق يمحوها خطر مشترك أكبر: الموت على يد الصهيوني أو الأمريكي. اسناد إيران والاستقرار السياسي المعدوم في كل تلك البلدان، حوّلت هذه الضغوط إلى مادة لاصقة تزيد التماسك بدلاً من أن تضعفه. إنه تماسك ضروري وكافٍ للمحور كمنظومة قادرة على الصمود.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى. محور المقاومة متماسك لأنه يعيش في "ترابط قسري": كل عضو يعرف أن بقاء الجماعة هو بقاؤه. أما الخليج الفارسی، فوحدة مصالح لا وحدة مصير. فالسعودية تحتاج سعر نفط مرتفعاً، والإمارات تحتاج إلى ضخ كميات كبيرة، وقطر تحتاج إلى بيع غازها، وعُمان تحتاج إلى حيادها. تغطى هذه المصالح بلعبتين قديمتين: الغطاء الأمريكي، والثروة النفطية. واليوم تمزق الغطاء، وأصبح النفط عالقا. وإذا كانت هذه الدول الأربع تتصارع في اليمن وليبيا والسودان، وتتنافس في أسواق الطاقة، فأي وحدة يمكن أن تبنى على رمال متحركة؟ الأمر لا يقف عند حدود الخلافات الداخلية؛ فالقوى الكبرى تسارع إلى تعميق الشرخ. الصين تعقد صفقات ثنائية من أبوظبي إلى الدوحة، وروسيا تعقد صفقات مع قطر، وأمريكا التي كان يفترض أن تكون الحامي، باتت توظف الانقسام الخليجي لمصلحتها في صراعها مع بكين وطهران. هكذا تحول الخليج الفارسی من تكتل إلى سوق حرة للتحالفات، بينما بقي محور المقاومة، بمفارقة عجيبة، أكثر تماسكاً لأنه لا يعتمد على أحد من الخارج.
لم تكن قمة جدة استثناءً من هذه القاعدة، بل كانت المرآة الأكثر صدقاً لها. دعت السعودية إلى الاجتماع على عجل، لكن الإمارات أرسلت وزيراً متفرجاً، وعُمان أرسلت لا أحد. كان ذلك إعلاناً عملياً بأن مجلس التعاون الخليجي صار مسرحاً للمناورات، لا معقلاً لصناعة القرار. الإمارات تفضل تحالفاتها الثنائية مع الكيان الصهيوني والصين، وسلطنة عمان تفضل غرف المفاوضات المظلمة في مسقط، وقطر تعرف أن الخليج الفارسی الآتي سيكون أكثر برودة، والكويت والبحرين تتخبطان.
لا يخطئن أحد الظن: فمحور المقاومة لا يستمد تماسكه من أنقاض الخليج الفارسي، ولا يوقد جذوته بتفكك الصفوف. مشروعه قائم على أسس راسخة: عقيدة تنبت في رحم التحدي، وجبهات لا تعرف الكلل، وإرادة صمود تتغذى من جراحها لا من هفوات الخصوم. بل الأكثر إحراجاً أن هذا المحور يصمد رغم كل محاولات الخليج الفارسي لافتعال انهياره. فبينما تنفق العواصم الخليجية المليارات على تفكيك نفوذه، وتشغل الإعلام لتهشيم صورته، وتوقّع اتفاقات التطبيع لتضييق الخناق عليه، يظل متماسكاً، بل يزداد رسوخاً في كل مرة تفشل فيها تلك المحاولات. ليس لأنه يستمد قوته من فشل الخليج الفارسي، بل لأن جوهره قائم بذاته، لا يرتهن بنجاح أو فشل غيره. إنه كائن حي يتغذى على التهديد، ويشتد عوداً كلما حاولوا قطعه. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: بينما يظن الخليج الفارسي أن تفككه لا يؤذي إلا نفسه، فإن محور المقاومة لا ينتظر من أحد شيئاً؛ مشروعه شجرة لا تذبل لغياب مطر، بل تتعمق جذورها في صخر العداء المشترك. وكأنه يقول للجميع: "أنا لم أنشأ لأنكم منقسمون، بل أنا هنا لأنني قررت أن أكون، وستمضي بي الأيام إن مضيتم أو بقيتُم."
يطرح هذا كله سؤالاً لا يحتمل التأجيل: متى يدرك الخليج الفارسي أن إنفاقه على تفكيك المحور لا يجدي، ما دام عاجزاً عن بناء نفسه أولاً؟
إلى أن يدرك الخليج الفارسي هذه الحقيقة، سيظل "تحسبهم جمعاً وقلوبهم شتى"، وستظل وحدتهم غطاءً فارغاً، وستبقى قممهم صوراً تذكارية لا أكثر. وفي الجانب الآخر، سيظل محور المقاومة يربح المعركة بلا رصاصة، منتظراً بهدوء أن يتمزق الخصوم بأيديهم. وحدها العبرة ستأتي بعد فوات الأوان، عندما يكتشف الجميع أن الوحدة ليست ترفاً، بل رحم وجودي لا تقوم للأمم بدونه.
وقبل أن تُطوى الصفحة، لا بد من استخلاص العبر من الجانب الآخر، ليس لمجرد المقارنة، بل لأنها تحمل مفاتيح البقاء في زمن الانهيارات. فمحور المقاومة وبيئته الممتدة من صنعاء إلى بيروت يقدمان دروساً قاسية لكنها شفافة:
أولاً: أن التماسك لا يُبنى على اتفاق المصالح بل على وطنية المصير. حين يكون الوجود مهدداً بالخارج، تصبح الخلافات الداخلية ترفاً لا يُحتمل.
ثانياً: أن القوة الحقيقية ليست في الصواريخ فقط، بل في القدرة على تحويل العزلة إلى حاضنة شعبية، والتهديد المباشر إلى طاقة تضامن لا تنضب.
ثالثاً: أن الاستدامة تأتي من فك الارتباط بالضامن الخارجي؛ فمن يعتمد على غطاء أمريكي أو غربي يرهن بقاءه لتقلبات واشنطن، أما من يبني قدراته من الداخل (ولو بموارد محدودة) فيمتلك سلاح الصمود الطويل.
رابعاً: أن المرونة الجيوسياسية أهم من الجمود الأيديولوجي؛ فبيئة المقاومة تتحالف مع من تحتاجهم حيث ومتى يلزم، بلا وصاية ولا شروط مسبقة.
أمام هذه العبر، يبقى سؤال أكثر إلحاحاً وأوسع أفقاً، لا يقتصر على حدود القمة أو المضيق، بل يعيد تشكيل زاوية النظر بأكملها: في خضم صعود قوى إقليمية جديدة تمتلك مشاريع نفوذ ممتدة (من الصين وتركيا إلى الهند والكيان الصهيوني)، وتشابك أزمات دولية تعيد رسم الأمن الإقليمي، أليس آن الأوان لشعوب الخليج الفارسي ذاتها - وليس أنظمتها المنقسمة فقط - أن تستقي من هذه العبر، وتستيقظ على ضرورة التشبيك الحقيقي؟ تشبيك لا يقوم على قمم صورية أو تحالفات لحظية، بل على وعي مشترك بأن "العباءة الممزقة" لن تحمي أحداً، وأن وحدة المصير أصبحت اليوم شأناً وجودياً قبل أن تكون خياراً دبلوماسياً.
فإذا كانت النخب الحاكمة لا تزال تراهن على الغرب تارة وعلى النفط تارة أخرى، فإن شعوب الخليج الفارسي، التي تتنفس الهواء نفسه وترتجف من الصواريخ ذاتها، مطالبة بأن تطرح سؤالها الصعب: هل ننتظر قائداً يوحدنا، أم أن اللحظة قد حلت لنصنع من تحت تمزق العباءة - ومن خلال الشبكات الاقتصادية والثقافية والإعلامية المشتركة - ما يعجز عنه قادة القمم؟
وحينها فقط، قد تتبدل الآية، وتُكتَب على جدران الزمن المحترق: "أصبحوا جمعاً وقلوباً واحدة". لكن هل ذاك فجر يلوح في أقصى الأفق الخليجي، أم أن هذه البقعة التي ولجت نفق الرياح العاتية، مقبلة على دهر أطول من التمزق وأكثر إيلاماً من الندم؟ الأيام وحدها من ستكتب الجواب، واليقظة الشعبية قد تكون وحدها القادرة على تغييره.
بقلم: نوال عباسي _ عضو أمانة منتدى سيف القدس في تونس