وبعد العدوان الأمريكي-الإسرائيلي في فبراير ۲۰۲۶، والحدث الجلل المتمثل في استشهاد آية الله السيد علي خامنئي، دخلت إيران مرحلة انتقالية حاسمة تحت قيادة آية الله السيد مجتبى خامنئي. اليوم، وبينما تخيم "هدنة هشة" على الجبهات، تبرز تساؤلات عميقة حول قدرة طهران على الحفاظ على أمنها القومي واستقرار نفوذها الإقليمي.
أولاً: معضلة الهدنة الهشة وانتهاكات "الكيان"
تعتبر اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها في أبريل ۲۰۲۶، برعاية دولية وإقليمية، اختباراً حقيقياً لمصداقية القوى الكبرى. إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه الهدنة ليست سوى "استراحة محارب" تكتيكية.
الاستنزاف المستمر: استمرار الخروقات الإسرائيلية في لبنان وسوريا يهدف إلى منع محور المقاومة من التقاط أنفاسه وإعادة تموضعه.
التهديد بالانسحاب: تلوح طهران بوضوح بأن أي انتهاك جوهري للاتفاقيات سيؤدي إلى انسحاب كامل، مما يعني العودة إلى معادلة "الحرب المفتوحة". الأمن الإيراني اليوم يربط استقرار الداخل باستقرار الجبهات الحليفة، وهو ما يُعرف بعقيدة "وحدة الساحات".
ثانياً: انتقال القيادة واستمرارية العقيدة الأمنية
أثبتت عملية انتقال السلطة في مارس ۲۰۲۶ إلى السيد مجتبى خامنئي مرونة فائقة في المؤسسات الإيرانية.
الوفاق الوطني: ركزت القيادة الجديدة على مبدأ "الوفاق الوطني" لإدارة حالة الحرب. القوة الأمنية الإيرانية لا تعتمد على الأفراد فحسب، بل على هيكلية مؤسساتية صلبة يقودها الحرس الثوري بالتعاون مع المجلس الأعلى للأمن القومي.
تحديث الردع: تشير التحليلات إلى أن إيران انتقلت من "الردع الدفاعي" إلى "الردع النشط"، حيث لم تعد تكتفي بصد الهجمات، بل تفرض معادلات تكلفة باهظة على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الخليج الفارسي ومضيق هرمز.
ثالثاً: التموضع الإقليمي والتحولات الجيوسياسية
يشهد عام ۲۰۲۶ بروز لاعبين جدد وتراجع أدوار تقليدية:
الدور التركي الصاعد: ثمة مؤشرات على توجه دول المنطقة (خاصة دول الخليج الفارسي) نحو تقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية والبحث عن بدائل إقليمية، حيث تبرز تركيا كشريك استراتيجي محتمل. بالنسبة لإيران، يمثل هذا تحدياً وفرصة في آن واحد؛ فمن ناحية قد يحد من التفرد الأمريكي، ومن ناحية أخرى قد يخلق تنافساً إقليمياً جديداً.
محور المقاومة والتحول البري: تشير التقارير إلى أن سيناريوهات الحصار البري التي يسعى إليها الثنائي (ترمب-نتنياهو) تستهدف قطع خطوط الإمداد الاستراتيجية. مستقبل الأمن الإيراني يعتمد بشكل حيوي على إبقاء الممرات البرية بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق مفتوحة وفعالة.
رابعاً: سيناريوهات المستقبل الأمني (أبريل - أكتوبر ۲۰۲۶)
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: "النزف البطيء" (الأكثر ترجيحاً)
الاستمرار في حالة "لا حرب ولا سلم"، مع تشديد الحصار الاقتصادي والبري على إيران وحلفائها. في هذا السيناريو، ستعتمد طهران على "اقتصاد الحرب" وتعميق التحالفات مع روسيا والصين لكسر العزلة، مع الحفاظ على وتيرة منخفضة من العمليات العسكرية الاستنزافية ضد القواعد الأمريكية.
السيناريو الثاني: "الانفجار الإقليمي الشامل"
في حال إقدام واشنطن أو تل أبيب على تنفيذ عمليات "قطع الرأس" أو غزو بري محدود لجنوب لبنان أو أجزاء من سوريا، فإن الرد الإيراني سيكون عابراً للحدود، مستهدفاً أمن الطاقة العالمي في مضيق هرمز وباب المندب، مما قد يجر المنطقة إلى صراع دولي مباشر.
السيناريو الثالث: "النظام الإقليمي الجديد"
نجاح المفاوضات القسرية تحت ضغط القوة، حيث يتم التوصل إلى "اتفاق أمن جماعي" يقلص الوجود العسكري الأمريكي المباشر ويمنح القوى الإقليمية (إيران، تركيا، السعودية) دوراً أكبر في إدارة أمن المنطقة. هذا السيناريو يتطلب تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
خامساً: التوصيات الاستراتيجية للأمن القومي
لضمان استقرارها في ظل هذه الظروف، تتبع إيران استراتيجية متعددة الأبعاد:
تعزيز العمق الاستراتيجي: الاستمرار في دعم حلفاء المحور كخطوط دفاع أمامية.
الدبلوماسية الهجومية: استغلال التباينات بين المواقف الأوروبية والأمريكية، وتعزيز الشراكة الدفاعية "الراسخة" مع موسكو وبكين كأعضاء دائمين في مجلس الأمن.
التفوق التكنولوجي: التركيز على سلاح المسيّرات الانتحارية والصواريخ الفرط صوتية كأدوات ردع غير متماثلة تكسر التفوق الجوي التقليدي للخصوم.
صمود المؤسسة وتحدي الزمن
إن مستقبل الأمن في إيران مرتبط بمدى قدرة القيادة الجديدة على الموازنة بین "الثبات على المبادئ الثورية" و"المرونة الدبلوماسية" الضرورية لتفكيك الحلف الدولي المعادي. إن استشهاد القادة قد أوجد حالة من التعبئة الداخلية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الزخم العاطفي إلى استقرار مؤسساتي طويل الأمد يواجه استراتيجية "الضغط الأقصى" في نسختها الجديدة لعام ۲۰۲۶.
المنطقة تقف على نصل سكين؛ فإما أن تؤدي هذه الهدنة الهشة إلى تسوية تاريخية تعترف بدور إيران كقوة إقليمية كبرى، أو أن تكون مجرد فتيل لانفجار سيغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة.
بقلم: د، سجاد عابدی...مستشار وزیر الاتصالات وتکنولوجیا المعلومات الایراني السابق