الخرائط الجديدة لا تظهر فجأة على الطاولات السياسية، قد يسبقها إنشاء قاعدة عسكرية سرية، أو حرب “مؤقتة”، أو عملية أمنية يُقال إنها محدودة.
إنشاء "إسرائيل" موقعًا عسكريًا سريًا في الصحراء الغربية العراقية قبل اندلاع المواجهة الكبرى مع إيران، فتح بابًا واسعًا من الأسئلة يتجاوز فكرة “قاعدة مؤقتة” أو “عملية استخباراتية محدودة”.
فنحن هنا أمام تطور استراتيجي غير مسبوق: وجود عسكري إسرائيلي — ولو بشكل سري ومؤقت — داخل عمق “بلاد النهرين”.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام تحرك عسكري عابر فرضته ضرورات الحرب؟
أم أمام لحظة تاريخية تتغير فيها خرائط المنطقة تحت دخان الصواريخ والنار؟
"إسرائيل" في قلب العراق
وفق المعلومات المتاحة، فإن الموقع أُنشئ أواخر فبراير 2026 في منطقة صحراوية قرب النخيب، بهدف دعم العمليات الجوية ضد إيران، وتأمين قوات خاصة وفرق بحث وإنقاذ للطيارين "الإسرائيليين" الذين قد يُسقطون خلال أي مواجهة واسعة.
القاعدة — بحسب طبيعتها — تبدو أقرب إلى منصة عمليات متقدمة تخدم الحرب ضد إيران، لا إلى قاعدة احتلال تقليدية.
فالمنطق العسكري واضح:
• مسافة أقصر نحو العمق الإيراني
• تضاريس صحراوية مفتوحة تقل فيها الكثافة السكانية
• سهولة الحركة الجوية والخاصة
• إمكانية تنفيذ عمليات دعم وإنقاذ بعيدة عن الرصد المباشر
لكن في الشرق الأوسط…
لا شيء يبقى مجرد “تفصيل عسكري”.
لأن وصول إسرائيل إلى العراق، ولو تحت عنوان الحرب ضد إيران، يعيد فورًا إحياء واحد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في المنطقة: “إسرائيل الكبرى”.
من النيل إلى الفرات
وهو مفهوم ديني/توراتي يستند إلى نص ورد في سفر التكوين (15:18-21):
«لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ».
هذا النص ظل لعقود جزءًا من الجدل العقائدي والسياسي المرتبط ببعض تيارات اليمين الديني والقومي داخل إسرائيل، التي ترى أن المجال الجغرافي الممتد “من النيل إلى الفرات” يحمل بُعدًا تاريخيًا ودينيًا يتجاوز حدود إسرائيل الحالية.
ورغم أن إسرائيل رسميًا لا تعلن مشروعًا مباشرًا لاحتلال هذه المناطق، فإن صعود تيارات اليمين المتطرف خلال السنوات الأخيرة أعاد النقاش بقوة.
ومع اتساع النفوذ الإسرائيلي الأمني والاستخباراتي والعسكري في أكثر من ساحة عربية، بدأت المخاوف القديمة تعود إلى الواجهة:
هل تتحول الحروب الحالية إلى مدخل لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة؟
من غزة…
إلى جنوب لبنان…
إلى سوريا…
ثم العراق…
يبدو المشهد وكأن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على الردع التقليدي، بل تتجه نحو بناء “عمق عملياتي إقليمي” يسمح لها بالتحرك بحرية أكبر داخل الشرق الأوسط.
حرب ضد إيران… أم ما هو أبعد؟
لكن رغم ذلك، يجب الفصل بين أمرين:
الأول:
وجود قاعدة أو موقع عملياتي مؤقت يخدم الحرب ضد إيران.
والثاني:
الحديث عن مشروع احتلال مباشر للعراق أو “ضم بلاد النهرين”.
فالوقائع العسكرية حتى الآن تشير إلى أن الهدف الأساسي يرتبط بالمواجهة مع إيران، ومحاولة تقليص المسافات التشغيلية وتأمين الدعم اللوجستي للعمليات الجوية.
لكن الخطورة الحقيقية تكمن في أن "إعادة ترتيب الحدود" عادة ما يبداً تحت ستار "إجراءات أمنية مؤقتة".. ثم تتحول مع الوقت إلى وقائع استراتيجية دائمة.
وأخطر ما في القصة ليس مجرد وجود قاعدة إسرائيلية في الصحراء العراقية… بل الرسالة التي تحملها.
حين تصل إسرائيل عسكريًا إلى عمق “بلاد النهرين”…
فإن السؤال الأهم لم يعد فقط:كيف تُدار الحرب؟، ولكن أي شرق أوسط يجري تشكيله تحت دخان هذه الحروب؟