في عصر أصبحت فيه نتائج البحث على الإنترنت مرادفا للحقيقة العامة، لم تعد الأزمات السياسية تُدار فقط عبر المؤتمرات الصحفية أو القنوات الإخبارية، بل عبر خوارزميات "جوجل" وصفحات الإنترنت المفتوحة. فاليوم، يكفي أن يكتب أي شخص اسم شخصية سياسية في محرك البحث حتى تتشكل لديه صورة كاملة عنها خلال ثوان. ولهذا السبب، أصبحت "الصفحة الأولى" في جوجل واحدة من أخطر ساحات النفوذ الحديثة.
ومن هنا ظهرت شركات متخصصة في إعادة تشكيل السمعة الرقمية، من أبرزها الشركة الأمريكية Terakeet، التي ارتبط اسمها بحملات لتحسين صورة شخصيات سياسية واقتصادية نافذة حول العالم. واحدة من أبرز هذه القضايا كانت مرتبطة بسفير الإمارات في واشنطن، "يوسف العتيبة" .
بدأت الأزمة عام 2017 بعد نشر"ذي انترسبت" تقريرا أثار جدلا واسعا عن العتيبة يكشف عن صلات له بعاملات في مجال الجنس ومهربين. وسرعان ما أصبح التقرير من أبرز النتائج التي تظهر عند البحث عن اسم السفير الإماراتي في جوجل، ما شكّل تهديدا مباشرا لصورته العامة، خصوصا داخل الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن.
المعركة لم تكن لحذف التقرير
بحسب ما تداولته تقارير إعلامية، لم يكن الهدف إزالة التقرير بالكامل، لأن ذلك شبه مستحيل عمليا، بل كان الهدف أخطر وأكثر فاعلية: دفنه رقميا، و تولت الشركة مهمة محددة وهي ازاحة التقرير المسيئ وتخفيض ترتيبه في بحث جوجل، حيث استخدمت الشركة حسابات مستخدمين مجهولة ووهمية لحذف المعلومات السلبية واضافة محتوى ايجابي على صفحته في " ويكيبيديا"، كما صاغ كُتّاب الشركة ملفات تعريفية تبرز قدرات العتيبة القيادية و نشروها على مواقع مؤسسات كبرى، مما ادى في النهاية الى هبوط تقرير " ذي انترسبت" الى الصفحة الخامسة في نتائج البحث.
ففي عالم الإنترنت، المعلومة التي تنتقل إلى الصفحة الخامسة من نتائج البحث تصبح عمليا غير مرئية بالنسبة لمعظم المستخدمين. ولهذا تعاقدت الإمارات مع شركة "تراكيت" ضمن حملة هدفت إلى إعادة هندسة الصورة الرقمية للعتيبة. وتشير التقارير إلى أن الإمارات دفعت أكثر من ستة ملايين دولار للشركة بين عامي 2020 و2022.
كيف تعمل شركات تلميع السمعة؟
تعتمد هذه الشركات على مزيج معقد من:
• تحسين محركات البحث (SEO)
• صناعة المحتوى
• العلاقات العامة الرقمية
• إدارة ويكيبيديا
• استغلال خوارزميات الظهور
وبحسب ما ورد في التقارير، استخدمت الشركة عدة أدوات لتحسين صورة العتيبة، من بينها:
إنشاء محتوى إيجابي مكثف عنه، و نشر ملفات تعريفية تبرز دوره القيادي والدبلوماسي فيها، مع تعديل محتوى "ويكيبيديا" و استخدام حسابات مجهولة أو غير معلنة للتأثير على المحتوى الرقمي، اضافة إلى رفع ترتيب المقالات الإيجابية في نتائج البحث.
ومع الوقت، تراجع ظهور تقرير "ذي إنترسبت" إلى صفحات متأخرة، بينما تصدرت النتائج الجديدة المشهد الرقمي.
السيطرة على الرواية
ما حدث لا يتعلق فقط بشخص يوسف العتيبة، بل يكشف كيف تحولت إدارة السمعة الرقمية إلى سلاح سياسي وإعلامي تستخدمه الدول والنخب المالية.
ففي السابق، كانت الحكومات تحاول التأثير على الصحف والقنوات.أما اليوم، فأصبحت المعركة تدور حول:
• من يتحكم بالخوارزميات
• من يملك القدرة على إغراق الإنترنت بالمحتوى
• من يستطيع إعادة كتابة الصورة العامة رقميًا
وهذا يطرح سؤالا بالغ الخطورة: هل ما نراه على الإنترنت هو الحقيقة فعلا، أم النسخة التي نجحت الجهات الأقوى ماليا في دفعها إلى الواجهة؟
ويكيبيديا… الحياد المهدد
أحد أخطر جوانب هذه القضية يتعلق بمنصة "ويكيبيديا"، التي يفترض أنها موسوعة مفتوحة ومحايدة. فبحسب التقارير، استُخدمت حسابات مجهولة لتعديل محتوى الصفحة الخاصة بالعتيبة، عبر تقليل ظهور المعلومات السلبية وإبراز الجوانب الإيجابية.
في زمن يعتمد فيه ملايين الناس على البحث السريع لفهم الشخصيات والأحداث، فإن السيطرة على الصفحة الأولى في جوجل قد تكون أحيانا أكثر تأثيرا من أي حملة إعلامية تقليدية.
ولهذا لم تعد إدارة السمعة مجرد خدمة تسويقية، بل أصبحت جزءا من الصراع السياسي العالمي على الرواية والوعي والصورة العامة.
ربما لم تعد المعركة الكبرى تدور حول "ما الحقيقة؟"، بل حول "أي حقيقة ستظهر أولا في نتائج البحث؟".