عاجل:

مسؤول إيراني لموقع العالم: إيران تجعل تكلفة نقض الاتفاق للأميركان أعلى من تكلفة الالتزام به

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦
٠٦:٥٦ بتوقيت غرينتش
مسؤول إيراني لموقع العالم: إيران تجعل تكلفة نقض الاتفاق للأميركان أعلى من تكلفة الالتزام به في حوار خاص مع موقع العالم لفت د.سجاد عابدي المستشار الأسبق لوزير الإتصالات الإيراني والخبير في الشؤون الأمنية أن الحذر الإيراني في المباحثات مع الولايات المتحدة إنما يعدّ واقعاً استراتيجياً، مشددا على أن إيران تعتمد في استراتيجيتها على جعل "تكلفة نقض الاتفاق" أعلى من "تكلفة الالتزام به" للأميركان،

وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه موقع قناة العالم مع المستشار الأسبق لوزير الإتصالات الإيراني والخبير في الشؤون الأمنية د.سجاد عابدي:

- ما الأسباب التي أخرت لتوصل الى مذكرة تفاهم حتى الآن؟

تعود الأسباب التي أخرت التوصل إلى مذكرة تفاهم حتى الآن إلى عدة نقاط جوهرية ومعقدة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

۱. فقدان الثقة المتبادلة: تعتبر الفجوة العميقة في الثقة بين طهران وواشنطن العائق الأكبر. فإيران تنظر إلى التجربة السابقة (انسحاب ترامب من الاتفاق النووي) كدليل على عدم استقرار التعهدات الأمريكية، بينما تطالب واشنطن بضمانات أوسع تتعلق بملفات أخرى.

۲. قضية الضمانات القانونية: تصر إيران على الحصول على ضمانات "قانونية وعملية" تمنع أي إدارات أمريكية مستقبلية من الانسحاب من الاتفاق مرة أخرى، وهو أمر تجد الإدارة الأمريكية الحالية صعوبة في تشريعه بسبب القيود الدستورية ومعارضة الكونغرس.

۳. آلية رفع العقوبات: هناك خلاف جوهري حول "شمولية" رفع العقوبات؛ حيث تطالب إيران برفع كافة العقوبات التي فُرضت تحت مسميات مختلفة (إرهاب، حقوق إنسان، صواريخ) لضمان انتفاعها الاقتصادي الحقيقي، بينما تسعى واشنطن للإبقاء على بعضها كأوراق ضغط.

۴. تعدد الملفات والساحات: لم يعد التفاوض مقتصراً على الملف النووي فحسب، بل دخلت على الخط تطورات ميدانية في المنطقة (مثل جبهات لبنان وغزة) وتصاعد التوترات العسكرية الأخيرة، مما جعل أي تفاهم يتطلب توافقاً أوسع يشمل "وقف إطلاق النار الشامل".

۵. الضغوط الإقليمية والدولية: تلعب أطراف ثالثة، لاسيما الكيان الصهيوني وبعض القوى الإقليمية، دوراً في عرقلة أي تقارب إيراني-أمريكي، من خلال ممارسة الضغوط على واشنطن لمنع منح إيران أي ميزات اقتصادية أو سياسية.

۶. الفجوة في "التحقق": تصر إيران على ضرورة وجود فترة زمنية للتحقق من رفع العقوبات فعلياً (مثل إجراء معاملات بنكية وتصدير النفط بسلاسة) قبل العودة الكاملة لالتزاماتها، وهو جدول زمني لا تزال الأطراف تتفاوض على تفاصيله التقنية.

- ما الضامن لأي تفاهم أو اتفاق مع الجانب الأمريكي ، الذي أثبتت التجارب الماضية انقلابه على أي اتفاق؟

في ظل غياب نظام قانوني دولي يلزم القوى العظمى بالبقاء في الاتفاقيات، يبرز السؤال عن "الضمانات" كأعقد نقطة في المفاوضات. بالنسبة للجانب الإيراني، لم تعد الوعود السياسية كافية، لذا تتركز رؤيته للضمانات على المحاور التالية:

١. الضمانات الذاتية (القدرة على العودة):

تعتبر إيران أن أقوى ضامن هو "قدرتها التقنية". بمعنى أن أي اتفاق يجب أن يسمح لإيران بالاحتفاظ بالبنية التحتية النووية التي تمكّنها من العودة السريعة إلى مستويات تخصيب متقدمة في حال نقضت واشنطن العهد. هذا ما يُعرف بـ "الضمانة التقنية مقابل الالتزام السياسي".

٢. فترة التحقق (Verification Period):

تطالب طهران بألا تكتفي واشنطن بالتوقيع على الورق، بل يجب منح فترة زمنية (عدة أشهر مثلاً) للتأكد من أن رفع العقوبات قد تُرجم عملياً؛ أي أن تتمكن إيران من بيع نفطها وتحويل أموالها عبر النظام المصرفي العالمي (SWIFT) دون عوائق، قبل أن تقوم هي بتنفيذ خطواتها الأساسية.

٣. التكاليف السياسية والاقتصادية:

يسعى المفاوضون إلى ربط الاتفاق بشركات دولية كبرى ومصالح اقتصادية لدول أخرى (مثل الصين وروسيا وأوروبا)، بحيث يكون انسحاب أمريكا مكلفاً ليس فقط تجاه إيران، بل تجاه حلفائها وشركائها التجاريين أيضاً، مما يشكل ضغطاً دولياً لمنع تكرار سيناريو ۲۰۱۸.

٤. الضمانات السياسية/القانونية داخل واشنطن:

رغم إدراك طهران لصعوبة الحصول على "معاهدة" مصدقة من الكونغرس، إلا أنها طالبت بآليات تجعل إلغاء الاتفاق يتطلب إجراءات معقدة، أو الحصول على التزام مكتوب من الإدارة الحالية بأن الشركات التي تدخل السوق الإيرانية ستحصل على "حصانة" أو "فترة سماح" قانونية لعدة سنوات حتى لو تغيرت الإدارة.

٥. دور الأطراف الأخرى في الاتفاق:

تطالب إيران بأن تكون الأطراف الأخرى (مثل الاتحاد الأوروبي، الصين، وروسيا) "ضامنة" لمنع واشنطن من تفعيل "آلية الزناد" (Snapback) بشكل أحادي وغير قانوني، كما حاول ترامب فعله سابقاً وفشل في مجلس الأمن.

الخلاصة:

تدرك إيران أنه لا يوجد "ضامن مطلق" في السياسة الدولية، لذا فإن استراتيجيتها تعتمد على جعل "تكلفة نقض الاتفاق" أعلى من "تكلفة الالتزام به"، مع الاحتفاظ بـ "أزرار العودة" للبرنامج النووي جاهزة للضغط في أي لحظة.

- أليس هناك خشية إيرانية من أن تكون مهلة الـ٦٠ يوما المخصصة للتفاوض مهلة استعدادات لدولة حرب وعنوان جديد على إيران؟

نعم، هذه المخاوف موجودة وهي محور تركيز الاستراتيجيين والمسؤولين الأمنيين الإيرانيين، ويمكن تحليلها من خلال النقاط التالية:

١. النمط التاريخي للولايات المتحدة:

يستخدم الجانب الإيراني تجارب سابقة (مثل حرب ٢٠٠٣ ضد العراق) حيث استُخدمت "فترات هدنة" أو "مفاوضات" لتمديد الوقت لإعداد الجبهات العسكرية أو لتمرير الأسلحة لحلفائهم في المنطقة. لذلك، ينظر الحذر الإيراني إلى الـ ٦٠ يوماً ليس كفرصة للسلام، بل كفرصة "استنزاف" أو إعداد ساحة معركة محتملة.

٢. تعزيز القدرات الحلفاء:

تشير طهران إلى أن هذه المدة قد تُستغل لنقل أسلحة متطورة إلى الكيان الصهيوني (مثل صواريخ "تاو" أو أسلحة ذكية أخرى) ولتعزيز الدروع الدفاعية في قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، مما يغير موازين القوى لصالح الخصم قبل أي مواجهة محتملة.

٣. الشرعية القانونية والسياسية:

يخشى المخططون الإيرانيون من أن تحاول واشنطن استخدام هذه الفترة لإعداد "تبرير قانوني ودولي" للهجوم، عبر حشد تحالفات أو إصدار قرارات في مجلس الأمن تجرّم بعض الأنشطة الإيرانية، مما يخلق "عنواناً" (مبرراً) للهجوم العسكري لاحقاً تحت غطاء "مكافحة الانتشار النووي" أو "الإرهاب".

٤. الاستراتيجية الإيرانية كرد فعل:

في مواجهة هذه الشكوك، لا تعتمد إيران بشكل حصري على الديبلوماسية، بل تطلق موازياً عملياتها في المنطقة (من خلال محور المقاومة) لرفع تكلفة أي هجوم محتمل على إسرائيل وأمريكا. بمعنى آخر، الرد على "مهلة الحرب" هو جعل الإقليم بأكمله "غير آمن" للجيش الأمريكي وإسرائيلي خلال هذه الـ ٦٠ يوماً.

٥. عدم التماثل في الجهد:

بينما تطلب واشنطن من إيران "تجميد" أو "التزامات فورية"، ترى طهران أن الطرف الأمريكي لا يزال يواصل التدريبات العسكرية والوجود الميداني، مما يؤكد الشك في نوايا واشنطن الحقيقية من وراء المفاوضات.

الخلاصة:

نعم، الحذر الإيراني ليس مبالغاً فيه بل هو واقع استراتيجي. لذلك، تحاول طهران خلال هذه الفترة "ربط أي تقدم دبلوماسي بوقف فوري للنشاط العدائي"، لمنع استخدام الوقت لصالح العدو عسكرياً.

- في ظل الجدل الكثير حول السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز من ناحية الملاحة و الآلية الجديدة، على ماذا يبني الجانب الايراني أحقيته القانونية؟

يعتمد الجانب الإيراني في تبرير حول السيطرة على مضيق هرمز وحرية الملاحة على عدة أسس قانونية دولية، أبرزها:

١. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS):

تعتمد إيران بشكل رئيسي على المادة ١٩ من الاتفاقية، التي تنص على أن الحق في "المرور العابر" (Transit Passagem) لا يعني بالضرورة حق المرور غير المراقب أو العسكري غير المُعلن. وتدعي طهران أن الدول الأجنبية يجب أن تخطرها مسبقاً عند مرور سفن حربية عبر مضيقها، مستندةً إلى تفسيرها بأن المضيق يقع ضمن "المياه الإقليمية" (۱٢ ميلاً بحرياً) وليس "ممرًا عاما" بالمعنى المطلق، مما يعطيها الحق في تنظيم حركة المرور لأسباب أمنية وبيئية.

٢. السيادة الوطنية والحدود البحرية:

ترى إيران أن الجزء الواقع من مضيق هرمز ضمن حدودها البحرية الـ ۱٢ ميلاً هو جزء من مياهها الإقليمية التي تمارس عليها سيادة كاملة. وبالتالي، فإن أي عملية مراقبة أو تفتيش (في حالات الطوارئ أو الحروب) يُنظر إليها كحق سيادي لحماية الأمن القومي، وليس كإساءة للحرية التجارية.

٣. حق الدفاع عن النفس (المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة):

في السياقات الأمنية الحساسة، تستند إيران إلى حقها في الدفاع عن النفس ضد أي تهديد محتمل. وتدعي أن وجود أسطولها الحربي وراداراتها في المضيق ضروري لحماية سواحلها ومنع infiltrasions عسكرية أو هجومية، وهو حق معترف به دولياً للدول الساحلية.

٤. الأعراف التاريخية والبيئية:

تطالب إيران أيضاً بالحق في تنظيم الملاحة لحماية البيئة الحساسة للمضيق (التي تعتبر من أكثر المناطق النفطية كثافة في العالم)، وفقاً للمواد الخاصة بحماية البيئة في القانون الدولي. كما تستند إلى أعراف تاريخية حيث كانت المنطقة تحت سيطرة إدارية محلية كانت تضبط حركة السفن.

٥. التمييز بين "المرور التجاري" و"المرور العسكري":

غالباً ما تفصل إيران بين حرية الملاحة التجارية (التي لا تعترض عليها رسمياً ما دامت سلمية) والوجود العسكري الأجنبي غير المُعلن. فحقها في المراقبة يُبرر بأنه ضرورة أمنية لمنع استخدام المضيق لشن هجمات على الأراضي الإيرانية، وهو مبدأ تدعمه بعض مدارس الفكر القانوني البحري فيما يتعلق بالدول ذات "الوضع الاستراتيجي الحرج".

الخلاصة:

إيران لا تنكر حرية الملاحة التجارية بشكل مطلق، بل ترفض "الحريّة المطلقة للعمليات العسكرية" دون تنسيق، مستندةً إلى تفسيرها للمواد المتعلقة بالمياه الإقليمية، الحق في الدفاع، وحماية البيئة، ضمن إطار اتفاقية قانون البحار وقوانين السيادة الوطنية.

- هل تعتقد أن هذه الحرب كانت في جزء كبير منها ؛ (جزء خفي)؛ حربا إلكترونية؟

نعم، يمكن القول إن جزءاً كبيراً وفعالاً من هذا الصراع كان "حرباً سيبرانية" خفية، تعمل كجبهة موازية للجبهة التقليدية. ويمكن توضيح ذلك من خلال عدة أدلة ومؤشرات:

١. الطبيعة الهجينة للصراع الحديث:

لم يعد الحديث عن "حرب" يقتصر على التبادل الناري فقط. فالاستخبارات الحديثة (خاصة الأمريكية والإسرائيلية) تعتمد بشكل مكثف على أدوات الفضاء الإلكتروني لتعطيل البنى التحتية الحيوية (كشبكات الكهرباء، الاتصالات، وأنظمة الدفاع الجوي) قبل أو أثناء الهجمات العسكرية. ما حدث من أعطال أو تعطيلات مؤقتة في أنظمة معينة، أو التسريبات الإعلامية، كان جزءاً من هذه الحرب الخفية.

٢. حرب المعلومات والسردية (Narrative Warfare):

استخدم الجانبان الفضاء الإلكتروني بشكل مكثف للتحكم في "الرواية" العالمية. نشر المعلومات المضللة (Disinformation)، التلاعب في البيانات، والهجمات على الحسابات الرسمية أو الشخصية لكسب الرأي العام العالمي، شكلت جبهة واضحة جداً من الحرب السيبرانية التي تهدف إلى إضعاف الإرادة السياسية للعدو داخلياً وخارجياً.

٣. التجسس والاختراق الاستباقي:

من المرجح جداً أن كلا الطرفين كان قد اختراق شبكات بعضهما البعض منذ أشهر (أو سنوات). فالقدرة على اختراق الأنظمة العسكرية أو الصناعية تسمح بجمع معلومات استخباراتية دقيقة أو حتى "زرع" برمجيات خبيثة يمكن تفعيلها لحظة بدء الهجوم. هذا البُعد السري هو الأكثر خطورة لأنه يصعب إثباته أو رصده بدقة فورية.

٤. استهداف البنى التحتية المدنية:

في النزاعات الحديثة، تُستهدف بنى التحتية المدنية (كشبكات الصرف الصحي، المصارف، والمراكز اللوجستية) عبر الهجمات الإلكترونية لتسبب الفوضى الداخلية وتشتيت انتباه الجيش. إذا حدثت أي أعطال غير مبررة في هذه الشبكات خلال فترة التوتر، فمن المنطقي ربطها بهذه الحرب الخفية.

٥. عدم الاعتراف الرسمي (Plausible Deniability):

تفضل الدول عادةً عدم الاعتراف الرسمي بالهجمات السيبرانية حتى لا تُعتبر "تقدماً للحرب" رسمياً، مما يمنحها حيزاً من حرية العمل دون خطر الانتقام المباشر. لذلك، يُعتبر هذا البُعد "خفياً" ليس لعدم وجوده، بل بسبب طبيعة الدبلوماسية السيبرانية التي تعتمد على الرفض أو التبجيل.

الخلاصة:

نعم، الحرب السيبرانية كانت "العمود الفقري الخفي" لهذا الصراع. فقد سبقت الهجمات التقليدية، رافقتها خلال المعارك، وستستمر بعدها كأداة للضغط والمراقبة. إنها الحرب التي لا تُرى، لكن آثارها على البنية التحتية والنفسية تكون عميقة ومؤثرة.

- ما الذي يميز حرب رمضان عن حرب الاثني عشر يوما السابقة من ناحية الأداء الإيراني؟

يتميز أداء إيران في "حرب رمضان" (إذا افترضنا سيناريو فرضياً أو مستقبلاً كما في سياق سؤالك) مقارنة بـ "حرب الـ ١٢ يوماً" السابقة، من خلال عدة نقاط جوهرية تعكس تطوراً استراتيجياً وتكتيكياً:

١. التحول من رد الفعل إلى المبادرة الاستباقية:

في الحرب السابقة (١٢ يوماً)، كان الأداء الإيراني يعتمد بشكل كبير على رد الفعل للهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية، والتركيز على البقاء والصد. أما في حرب رمضان، سعت إيران إلى شل الحراك العدواني عبر هجمات استباقية مستهدفة، تهدف إلى تعطيل قدرات الخصم قبل اكتمال جاهزيته، مما يعكس ثقة أكبر في القدرات العسكرية الذاتية.

٢. تنوع الوسائل والأسلحة (التقنية ضد التقليدية):

بينما اعتمدت الحرب السابقة بشكل كبير على صواريخ باليستية تقليدية وذباب غير مأهولة، تميزت حرب رمضان باستخدام منظومات أسلحة أكثر تطوراً، مثل صواريخ "هيبersonic" (فوق صوتية)، أسلحة ذكية عالية الدقة، ومزيج من الهجمات الإلكترونية مع الضربات المادية. هذا التنوع زاد من صعوبة اعتراض الهجمات وفرض ضغوطاً أكبر على أنظمة الدفاع الجوي للخصم.

٣. الدور الإقليمية والمقاومة (الحرب متعددة الجبهات):

في الحرب الـ ١٢ يوماً، كانت الجبهات الإقليمية (مثل لبنان أو اليمن) نشطة لكن بشكل منفصل نسبياً. في حرب رمضان، ظهرت تنسيق أوثق وتكامل عملياتي بين القوات الإيرانية وقوى "محور المقاومة"، مما خلق تأثيراً مضاعفاً وجعل الخصم يواجه تهديداً شاملاً ومتزامناً من عدة اتجاهات، مما شتت انتباهه وعجزه عن التركيز على جبهة واحدة.

٤. السرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ:

تتميز حرب رمضان بسرعة فائقة في عمليات صنع القرار والتنفيذ العسكري، حيث قامت إيران بإطلاق موجات متلاحقة من الهجمات في فترة زمنية قصيرة جداً، مما منعهاد الخصم من إعادة تكاتف دفاعاته أو شن رد فعل منظم. هذه "صاعقة العمليات" تعكس تحسناً في القيادة والسيطرة (C2).

٥. البعد النفسي والإعلامي:

في الحرب السابقة، كان التركيز الإعلامي دفاعياً. في حرب رمضان، سيطرت إيران بشكل أكبر على السردية الإعلامية، وعرضت نجاحاتها بشكل فوري ومؤثر، مما عزز الروح المعنوية داخلياً وخلّص تأثيراً رهيباً نفسياً على الخصم والعالم، مع إبراز رسالة واضحة حول عدم قابلية إيران للإكراه.

٦. الاستقلالية التكنولوجية:

أظهرت حرب رمضان اعتماداً أكبر على الأنظمة المحلية والإنتاج الوطني للأسلحة، مما قلل من الاعتماد على موارد خارجية محتملة العرقلة، وأثبت قدرة إيران على خوض صراعات طويلة الأمد بكفاءة عالية دون استنزاف مخزونها الاستراتيجي بشكل كارثي.

الخلاصة:

الفارق الجوهري هو الانتقال من "حرب البقاء والدفاع" في الـ ١٢ يوماً، إلى "حرب الضربة الفعالة والمنسقة" في حرب رمضان، مع تقنية أعلى، تنسيق إقليمي أعمق، وسرعة تنفيذ أدهشت الخصم وعززت الموقف التفاوضي الإيراني في أي مفاوضات لاحقة.

- ما المعادلات الجديدة التي افرزنها هذه الحرب؟

خروجت هذه الحرب من عديد المعادلات الاستراتيجية والسياسية الجديدة التي غيّرت موازين القوى في المنطقة والعالم، أبرزها:

١. نهاية عصر "الردع الأحادي":

أثبتت الحرب أن الردع العسكري التقليدي (مثل القواعد الأمريكية الثابتة أو درع "القيثرة") لم يعد كافياً أو حصناً منيعاً. المعادلة الجديدة تدور حول "الردع بالرد" (Deterrence by Punishment)، حيث تمتلك إيران ومقاومتها القدرة على إلحاق خسائر جسيمة ومباشرة في أعماق الخصم، مما يجعل أي عدوان مستقبلاً حساباً مرعباً للحليف والدولة المصدرة للعنف.

٢. صعود "السيادة الرقمية والهجينة":

لم تعد الحرب تقتصر على الحدود الجغرافية. المعادلة الجديدة تفرض أن أي دولة تريد الأمن عليها أن تمتلك قدرة عالية في الفضاء السيبراني، الحرب النفسية، والتحكم في المعلومات. من لا يسيطر على السردية الرقمية والبنية التحتية الإلكترونية، يكون فريسة سهلة حتى لو كان يملك جيشاً كبيراً.

٣. إعادة تعريف التحالفات (محاور جديدة):

ضعفت الثقة التقليدية في التحالفات الغربية أحادية القطب. برزت معادلة "الاستقلالية الاستراتيجية"؛ حيث تبحث الدول عن شراكات متعددة الأقطاب (مع روسيا، الصين، وحلفاء محليين) لتقليل الاعتماد على واشنطن. كما توثقت صلات "محور المقاومة" بشكل مؤسسي أكثر، ليصبح كياناً شبه مستقل عن طهران مالياً وتقنياً في بعض الجوانب.

٤. التكلفة الاقتصادية كسلاح:

أظهرت الحرب أن العقوبات الاقتصادية ليست أداة فعالة لخنق الدولة المستقلة ذاتياً، بل قد تكون محفزاً لتسريع الاكتفاء الذاتي (الاقتصاد المقاوم). المعادلة الجديدة تقول: "كلما زاد الضغط الاقتصادي، زادت المرونة الداخلية والابتكار المحلي"، مما يقلل من فاعلية العقوبات كوسيلة إكراه طويلة الأمد.

٥. تغيير معادلة الأمن الإقليمي:

لم يعد الأمن في الشرق الأوسط يعتمد على وجود قوة عظمى خارجية (أمريكا) كمضبط. بل انتقلت المعادلة إلى "توازن الرعب" الإقليمي، حيث تصبح أي دولة إقليمية فاعل رئيسي يحدد مصير الجارة، مما يستلزم وجود آليات إقليمية مباشرة لحل النزاعات، بدولاً وسيطة بعيدة.

٦. الدبلوماسية كجزء من الحرب:

لم تعد الدبلوماسية منفصلة عن المعركة. المعادلة الجديدة تربط بين "القوة العسكرية على الأرض" و"الوزن التفاوضي على الطاولة". فمن لا يملك القدرة على الإيذاء الميداني، لن يُؤخذ كلامه بجدية في غرف التفاوض. لقد أثبتت الحرب أن "الحرب هي الاستمرار للسياسة بأدوات أخرى"، والعكس صحيح.

الخلاصة:

العالم دخل مرحلة جديدة من "الفوضى المنظمة" حيث القوة الحقيقية هي المزيج بين التكنولوجيا المتقدمة، الإرادة الوطنية، والقدرة على الصمود الاقتصادي، بينما تراجعت فاعلية الأدوات التقليدية كالعقوبات أحادية الجانب أو الغزو التقليدي المباشر.

- كيف سيكون الدور الإسرائيلي في اي اتفاق محتمل؛ سيما ان إيران تصر على توقف الحرب في كل الجبهات بينما الإسرائيلي يطلب من الأمريكي ضمان حرية الحركة في لبنان؟

يتمثل دور إسرائيل في أي توافق محتمل كعامل "تعطيل وتحدٍ" استراتيجي، حيث تبرز فجوة عميقة بين رؤية طهران ورؤية تل أبيب وحلفائها في واشنطن. يمكن تحليل هذا الدور من خلال النقاط التالية:

١. صراع الإرادات: "وحدة الساحات" مقابل "الاستفراد بالجبهات":

تصر إيران على معادلة "وحدة الساحات"، أي أن أي تهدئة مع واشنطن يجب أن تشمل وقفاً كاملاً للعدوان على غزة ولبنان، كضمانة لحماية حلفائها. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى "تفكيك الساحات"؛ فهي تريد اتفاقاً يحيد إيران نووياً أو سياسياً، مع الاحتفاظ بحقها في ضرب أذرعها في المنطقة (خاصة حزب الله) تحت مسمى "الدفاع الوقائي".

٢. عقدة "حرية العمل" (Freedom of Action):

تطالب إسرائيل الولايات المتحدة بضمانات رسمية تمنحها الحق في التدخل العسكري في لبنان حتى بعد توقيع أي اتفاق، بحجة منع إعادة تسليح حزب الله أو اقترابه من الحدود. بالنسبة لإيران ولبنان، هذا المطلب هو "خرق للسيادة" ونسف لأي مفهوم حقيقي لآتش‌بس (وقف إطلاق النار). هذا التناقض يجعل إسرائيل طرفاً يرفض أن يكون مقيداً بأي توافق إقليمي لا يضمن تفوقه الأمني المطلق.

٣. إسرائيل كـ "مراقب مشكك" وضامن سلبي:

لا ترى إسرائيل نفسها جزءاً من الاتفاق، بل "حكماً" عليه. هي تضغط على واشنطن لتضمين "آليات زناد" (Snapback) سريعة وعنيفة في حال حدوث أي خرق إيراني، وتستخدم نفوذها في الكونغرس لضمان ألا يؤدي الانفتاح الأمريكي تجاه إيران إلى تقليص الدعم العسكري لها.

٤. الضغط عبر "الميدان" للتأثير على "الطاولة":

تقوم استراتيجية إسرائيل على التصعيد الميداني في لبنان وسوريا تزامناً مع المفاوضات، لإرسال رسالة مفادها أن "الاتفاق السياسي لن يمنعنا من العمل العسكري". هذا يضع واشنطن في موقف محرج؛ فهي تريد إرضاء حليفها الاستراتيجي (إسرائيل) دون تدمير فرصة التوصل لاتفاق مع خصمها (إيران).

٥. السيناريو المحتمل:

قد تنتهي الأمور بـ "اتفاق جانبي" غير معلن بين واشنطن وتل أبيب، حيث تمنح أمريكا إسرائيل غطاءً سياسياً أو تكنولوجياً معيناً مقابل قبولها الصمت المؤقت عن الاتفاق مع إيران. لكن، بما أن إيران تربط تقدم المفاوضات بـ "توقف الحرب في كل الجبهات"، فإن الموقف الإسرائيلي يظل هو "العقبة الكأدا" التي قد تؤدي إلى انهيار المفاوضات في لحظاتها الأخيرة.

الخلاصة:

إسرائيل تسعى لأن تكون "استثناءً" من أي قواعد اشتباك جديدة، بينما تسعى إيران لفرض "قواعد اشتباك شاملة" تغل يد إسرائيل في المنطقة. هذا الصدام الجوهري يجعل من دور إسرائيل في الاتفاق دوراً "تخريبياً" من وجهة نظر طهران، و"تصحيحياً" من وجهة نظر تل أبيب، مما يضع مصداقية الضمانات الأمريكية على المحك.

0% ...

آخرالاخبار

محسن رضائي: الرئيس الأمريكي يخون الدبلوماسية للمرة الثالثة


ترامب يفشل مرة أخرى في فرض توسيع التطبيع مع كيان الاحتلال


قصف مدفعي اسرائيلي يستهدف بلدات برعشيت وتولين وقبريخا والسلطانية جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: شهيد وعدد من المصابين في قصف "إسرائيلي" استهدف نقطة للشرطة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة


سفينة شحن إيرانية تصل البلاد بعد تجاوز الحصار الأمريكي غيرالشرعي


غارات اسرائيلية تستهدف بلدات دبين وقبريخا وتولين والسلطانية جنوب لبنان


صفارات الإنذار تدوي في ايليت هشاخر ويفتاح وراموت نفتالي بالجليل الأعلى


11 شهيدا بعدوان الاحتلال على جنوب لبنان.. والمقاومة ترد بقوة


مصادر لبنانية: الطيران الحربي الاسرائيلي يستهدف بلدتي حاريص ومجدل سلم الجنوبيتين


"يديعوت أحرونوت" عن سكان في كريات شمونة: نحن كالبط في مهب الريح وإنه لأمر جنوني أن نعيش في هذه المدينة وكأننا في ساحة معركة


الأكثر مشاهدة