و من خلال الإنجازات الميدانية تخطط إيران لعدد أمور بما فيها:
1- إنهاء الحرب رسمياً قبل التفاوض حول الملف النووي هو النقطة الفاصلة الحاسمة في تحديد موازين القوى المستقبلية للمنطقة والعالم:
أولاً: النقطة المحورية في المعركة الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة هي حالياً "نقطة إنهاء الحرب" ومحدداتها. فقد نجحت إيران بذكاء في تأجيل أي حوار أو مفاوضات بشأن الملف النووي حتى انتهاء الحرب.
ثانياً: الظروف التي يتم فيها تحقيق إنهاء الحرب هي التي تحدد بشكل طبيعي الطرف الأقوى في هذه الساحة. فليس فقط أن تأثير الحرب على مواقف كل طرف يبرز في ظروف إنهاء الحرب، بل إن هذه الظروف تترك آثاراً لها في المستقبل بعد الحرب أيضاً.
ثالثاً: ما حدث أثناء الحرب كشف عن صورة واضحة لتفوق إيران أمام العالم أجمع. لقد أظهرت مرونة إيران وتحملها في حرب كان هدفها صراحةً علناً هو القضاء على نظام الجمهورية الإسلامية وتجزئتها ونهب ثرواتها النفطية، أن إيران هي الطرف الأقوى في هذه الحرب، بينما كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني طرفين فاشلين.
رابعاً: إذا كانت الدبلوماسية والمفاوضات استمراراً للحرب، فيجب تثبيت المسار الذي سلكته الحرب والإنجازات التي حققتها إيران. أي أن تفوق إيران وفشل العدو يجب أن يكون النتيجة الطبيعية. فلا يجوز أن لا تُعطى أي تنازلات للعدو خلال 38 يوماً من أشد هجماته العسكرية، ثم يتوقع العدو ابتزازاً في المرحلة التالية للحرب. فلو كان العدو قادراً على انتزاع الامتيازات بالقوة، لما تأخر عن التفاوض أو وقف إطلاق النار.
خامساً: الثروات والمصالح الوطنية الإيرانية، مثل الوحدة الإقليمية وسلامة الأراضي الإيرانية، مقدسة. لم تأتِ إيران بثرواتها وملكاتها القيمة مثل الصناعة النووية، والقدرات الدفاعية، والإنجازات العلمية والصناعية والعسكرية من الخارج لتبيعها للخارج. فكما أن الأرض والوحدة الإقليمية غير قابلتين للتفاوض أو البيع، فقد تحولت هذه الثروات الوطنية إلى جزء من هوية إيران وكرامتها، وأصبحت غير قابلة للتنازل أو التداول.
سادساً: لهذا السبب لا تعتبر إيران قضايا مثل الملف النووي موضوعاً للتفاوض، بل تعطي الأولوية القصوى والوحيدة لإنهاء الحرب. وإذا ما تمت في المستقبل وبعد انتهاء الحرب بشكل قاطع (يتم الاعتراف به بتبني شروط إيران كلياً أو جزئياً) التفاوض حول قضايا كقضية الملف النووي، فإن ذلك لن يكون ناتجاً عن تهديد بالحرب، بل سيثبت أن مصالحنا الوطنية لا يمكن التنازل عنها بأي تهديد، حتى الحرب. وقد ثبتت هذه الحقيقة في الحرب المفروضة علينا، وستظل راسخة في المستقبل.
سابعاً: مقاومة إيران لتحقيق شروط إنهاء الحرب وعدم التفاوض حول الملف النووي تهدف بالتحديد إلى منع وقوع حرب جديدة. فالمفاوضون الإيرانيون يدركون أن أي اتفاق بشأن الملف النووي قبل تثبيت إنهاء الحرب بشروط إيران يُفسر على أنه إثبات لكفاءة أدوات الحرب في انتزاع التنازلات من إيران، مما يفتح باب الحروب المستقبلية للحصول على امتيازات في قضايا أخرى. ولن يترك العدو الحرب والجريمة والعدوان حتى لا ينتزع جميع عناصر القوة والاستقلال من إيران.
2- الصورة الذهنية لدى أمريكا عن إيران هي العامل الرئيسي في اتخاذ قرار فرض الحرب مرة أخرى:
أولاً: القدرات الذاتية والتفوق المثبت لإيران في ساحة المعركة ليس بالضرورة العنصر الوحيد المهم الحاسم في إرادة العدو لفرض الحرب مجدداً.
ثانياً: الصورة المتشكلة لدى العدو حول إيران وظروف مرونة وتحمل المجتمع الإيراني تمثل عنصراً أكثر أهمية من الواقع الميداني وقوتنا الحقيقية. فالحرب في الواقع هي نتيجة الصور والتصورات. فالصورة المتشكلة في غرفة فکر العدو عنا توجه حساباته نحو الحرب أو تجنبها.
ثالثاً: في هذا الإطار، فإن أي تصوير من داخل البلاد، خاصة من قبل المؤسسات الرسمية، ينشر الانزعاج وعدم التحمل والجمود، ويرسل صورة لإيران الضعيفة على أعتاب أزمة داخلية، يُعد بمثابة تشجيع للعدو على إشعال الحرب مجدداً.
رابعاً: نتيجة التصوير الداخلي لإيران خلال العقد الماضي، والتي كانت نتيجته المريرة هي إرسال إشارات غير مقصودة للعدو لضربة النهاية، هو أن الجهاز الحسابي للعدو قد تشكل بعمق بناءً على هذه الصورة، وكانت استراتيجيات الكتابة العدائية في العقد الماضي مبنية على هذا الأساس.
امساً: الآن، بالإضافة إلى الجهود الجادة لتصحيح هذه الصورة المتجذرة في ذهن العدو، يجب الحذر بشدة من أي سلوك أو قول يعزز نفس الصورة الذهنية للعدو. خاصة وأن إيران خرجت منتصرة من حرب وجودية شاملة ضد عدو مسلح بأحدث الأسلحة والتقنيات الحربية، وقد أثبتت قوتها الذاتية للعالم.
سادساً: الصورة الحقيقية لإيران تفيد بأنه لا يوجد خياران فقط أمام إيران (التفاوض أو الحرب). فبدلاً من التفاوض الفاشل، خيارات إيران هي المقاومة وتحمل الحكومة والشعب، وتعزيز القوة والتماسك الداخلي عبر العمل والإبداع والمبادرات الجديدة.
3- الاعتراف الضمني لاقتصاد العالم بتفوق إيران في الحرب مع أمريكا:
أولاً: العبور المنسق للسفن التجارية من جنسيات مختلفة عبر مضيق هرمز في الآلية الإيرانية يظهر أن سيادة إيران على المضيق، كجميع القواعد الدولية التي أصبحت رسمية تدريجياً نتيجة توازن القوى، هي قيد الاعتراف من قبل العالم.
ثانياً: رد الفعل العابر والمحدود للأسواق العالمية على تصريحات ترامب، مقابل التأثر الفوري والواسع بمواقف وسلوك إيران، قد يكون مؤشراً على الاعتراف التدريجي للعالم بتفوق إيران في المعركة ضد أمريكا.
ثالثاً: فرض الرسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز قد تحول إلى رمز لعظمة إيران، والاقتصاد العالمي يبدأ في التكيف مع هذه الحقيقة الجديدة. هذه الحقيقة الجديدة هي أمر واقع وحاصل تم انتزاعه بإيران، ولا يحتاج إلى تفاوض، وهي حق اكتسبته إيران ولا تحتاج للتفاوض للحفاظ عليه. وللحظ، فإن هذا الموقف هو الموقف الرسمي للنظام، وسينتهي الحرب مع هذه الحقيقة.