قد يختلف الناس حول إيران، وقد يختلفون أكثر حول سياساتها وتحالفاتها وأسلوب إدارتها للصراعات في المنطقة. لكن ثمة سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت إيران تبحث فقط عن مصالحها الضيقة، فلماذا دخلت في مواجهة مكلفة وطويلة مع أقوى قوة في العالم دفاعًا عن قضايا لا تقع داخل حدودها؟
عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعرض خرائطه ورؤيته للمنطقة، لم يكن هناك شبر واحد من الأراضي الإيرانية ضمن المناطق التي كان يدور حولها الصراع أو إعادة التشكيل. كانت الأنظار تتجه إلى فلسطين ولبنان وسوريا والأردن والعراق والسعودية والكويت، وحتى أجزاء من تركيا. أما إيران، فكانت خارج تلك الخرائط جغرافيًا. ومع ذلك، كانت هي الدولة التي دفعت أكبر الأثمان لتعطيل المشروع الذي يهدد مستقبل المنطقة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالدول عادةً ما تتحرك عندما تكون أراضيها مهددة أو مصالحها المباشرة في خطر. أما أن تدخل دولة في مواجهة مفتوحة مع قوتين نوويتين، هما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بسبب ما تعتبره خطرًا يطال دولًا وشعوبًا أخرى، فهذا أمر نادر في السياسة الدولية.
ولم تكن المواجهة مع دولة عادية، بل مع قوة عظمى هي الولايات المتحدة، التي قادت النظام الدولي لعقود طويلة. وفي عهد دونالد ترامب بلغت الضغوط مستويات غير مسبوقة؛ فُرضت العقوبات، ومورست الضغوط الاقتصادية، وارتفعت لغة التهديد، وتعرضت دول كثيرة للابتزاز السياسي والاقتصادي من أجل الانسجام مع الرؤية الأمريكية.
في تلك اللحظة، اختارت دول كثيرة الصمت أو الحياد أو التكيف مع الواقع الجديد. أما إيران، فاختارت طريقًا مختلفًا. قالت: «لا» عندما كان ثمن الرفض باهظًا، ودفعت من اقتصادها وأمنها واستقرارها ثمن هذا الموقف.
قد يتفق المرء أو يختلف مع السياسات الإيرانية، لكن من الصعب إنكار أن طهران كانت الدولة الوحيدة التي أظهرت استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة بدلًا من الاكتفاء بالخطابات. فالمواقف الحقيقية لا تُقاس بالكلمات، بل بحجم الثمن الذي يدفعه أصحابها.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل استفادت إيران من موقفها؟ فكل دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها. بل السؤال هو: من كان مستعدًا فعليًا للوقوف في وجه المشروع الذي اعتبره تهديدًا للمنطقة، عندما كان الجميع يخشى المواجهة؟
الإجابة واضحة؛ فبينما اكتفى كثيرون بالمراقبة أو التنديد، وقفت إيران في الصف الأول وتحملت نتائج ذلك لسنوات طويلة. ولذلك، يرى كثيرون أن من الإنصاف الاعتراف بهذا الدور، حتى من قبل الذين يختلفون معها في ملفات أخرى.
فالتاريخ لا يكتب فقط أسماء المنتصرين، بل يكتب أيضًا أسماء الذين امتلكوا الجرأة على الوقوف عندما كان الوقوف مكلفًا، وعلى قول «لا» عندما كان الجميع يبحث عن الطريقة الأسهل لقول «نعم».