لم يكن انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس خلفاً ليحيى السنوار مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل كان إعلاناً سياسياً صريحاً عن الوجهة التي اختارتها الحركة بعد واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخها. فالقرار لا يتعلق بشخص، بقدر ما يتعلق بالبرنامج الذي سيمثله، وبالرسائل التي أرادت حماس توجيهها إلى الداخل الفلسطيني، وإلى الإقليم، وإلى خصومها على حد سواء.
اختيار الحية يعني أولاً أن الحركة لم تتراجع عن خيار المقاومة، بل ذهبت إلى أحد أكثر قادتها التصاقاً بهذا النهج. فالرجل ابن قطاع غزة، وأحد أبرز الوجوه التي حاول الاحتلال اغتيالها أكثر من مرة، وهو أب وجد للشهداء، ما يجعله في نظر قواعد الحركة امتداداً طبيعياً لجيل القادة الذين دفعوا أثماناً شخصية وعائلية في سبيل المشروع الذي يتبنونه. ولهذا فإن انتخابه يحمل دلالة رمزية وسياسية بأن قيادة الحركة ما زالت ترى أن من يدفع الثمن هو الأقدر على قيادة المرحلة.
كما أن الحية يُعرف داخل الحركة بأنه من أكثر المدافعين عن استمرار العلاقة مع محور المقاومة، باعتبارها ركيزة استراتيجية لا يمكن التفريط بها. فمن وجهة نظر هذا التيار، فإن الابتعاد عن هذا المحور لن يقود إلى الاعتدال كما يروّج البعض، وإنما إلى نزع سلاح الحركة وتجريدها من عناصر قوتها، وتحويلها إلى تنظيم سياسي فاقد لأوراق الضغط التي راكمها طوال أربعة عقود من العمل العسكري والسياسي. لذلك فإن انتخابه يحمل رسالة واضحة بأن هذا الخيار ما زال يحظى بالأغلبية داخل مؤسسات الحركة.
أما الرسالة الثالثة، فهي داخلية بامتياز. فقد حاولت أطراف عديدة خلال الأشهر الماضية الترويج لوجود انقسامات عميقة داخل حماس بين قيادة الداخل وقيادة الخارج، وبين غزة والضفة الغربية، وحتى بين الأجنحة السياسية المختلفة. غير أن انتخاب الحية بأصوات المكاتب التنظيمية المختلفة، وعلى رأسها مكتب الضفة الغربية، يقدم صورة مغايرة تماماً، ويؤكد أن الحركة ما زالت قادرة على إنتاج قرار موحد وبرنامج سياسي واحد، رغم حجم الضربات التي تعرضت لها.
ويحمل هذا الاختيار أيضاً موقفاً واضحاً من محاولات دفع الحركة نحو تسويات تعتبرها قيادتها تنازلاً عن جوهر المشروع الذي قامت عليه. فانتخاب الحية يعني، وفق القراءة السياسية، رفض الانتقال من حركة مقاومة إلى تنظيم سياسي منزوع الأدوات، أو إلى إطار يكتفي بإدارة الواقع القائم. وهو بذلك يعكس قناعة داخلية بأن المساومة في هذه المرحلة قد تقود إلى المصير الذي وصلت إليه قوى فلسطينية قومية ويسارية فقدت تأثيرها الشعبي والسياسي، وأصبحت جزءاً من ذاكرة التاريخ أكثر من كونها لاعباً في الحاضر.
وربما تكمن الرسالة الأهم في أن حماس، رغم خسارتها عدداً كبيراً من قيادات الصفين الأول والثاني، بل وحتى الثالث منذ السابع من أكتوبر، ما زالت تمتلك القدرة على إعادة إنتاج قيادتها عبر آليات تنظيمية داخلية. فالحركة لم تدخل في فراغ قيادي، ولم تتوقف مؤسساتها عن العمل، بل أعادت ترتيب صفوفها وأجرت استحقاقاتها التنظيمية، في مؤشر على وجود بنية تنظيمية قادرة على الصمود والتجدد، وهو ما تفتقده كثير من الحركات والتنظيمات التي انهارت بمجرد غياب قادتها التاريخيين.
في المحصلة، فإن انتخاب خليل الحية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تغيير في الوجوه، بل هو تصويت على برنامج سياسي كامل. إنه إعلان بأن حماس، بعد سنوات الحرب والاغتيالات والخسائر، اختارت الاستمرار في النهج ذاته، وأرادت أن تقول إن الدم الذي دفعته لن يتحول إلى مدخل لتغيير هويتها أو خياراتها الاستراتيجية. سواء اتفق المراقب مع هذا الخيار أو اختلف معه، فإن الرسالة التي خرجت من انتخابات الحركة تبدو واضحة: حماس أرادت أن تؤكد أنها أعادت ترتيب قيادتها، لكنها لم تغيّر بوصلتها.