جنين التي حررت نفسها بمساندة الجيشين العراقي والأردني في حرب الأيام الستة عام 1967، وظلت عصية على الاحتلال رغم خصوبة أرضها، ووجود مساحات شاسعة من أراضي سهل مرج بن عامر ضمن أراضيها، ورغم قربها من الخط الأخضر، إلا أنها ظلت عصية على مطامع الاحتلال في جعلها جزءاً مما يُعرف بأراضي عام 1948 المحتلة. كما ظلت عصية على أن يسيطر عليها من خلال الاستيطان، وتجلى ذلك عقب خطة فك الارتباط عام 2005، التي وافق عليها رئيس وزراء حكومة الاحتلال في ذلك الوقت، أرئيل شارون، والتي بموجبها تم إخلاء 21 مستوطنة من قطاع غزة، وأربع مستوطنات من جنين.
لكن بعد عشرين عاماً، أُلغي قرار فك الارتباط، وتم إقرار عودة الاستيطان إلى جنين، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، إضافة إلى الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، وشق طرق جديدة لصالح الاستيطان على حساب أراضي المواطنين.
إذاً، هي هجمة استيطانية لم يسبق لها مثيل في هذه المدينة، التي لم تكلّ ولم تهدأ يوماً واحداً عن مقارعة جيش الاحتلال. ولعل مخيم جنين كان أبرز تحديات صُنّاع القرار في حكومة الاحتلال، إذ لم يدخل أي مستوطن واحد إلا بعد السيطرة على مخيم جنين، والقضاء على المقاومة المسلحة. وبالفعل، هذا ما حدث؛ دخل المستوطنون، ولكن بعد أشهر طويلة من تهجير سكان مخيم جنين، واجتياحه، وإعلانه منطقة عسكرية مغلقة، وبعد تمركز قوات الاحتلال في المدينة، وتبديل الفرق العسكرية، وتدريبها داخل المخيم.
وبعد أن اعتاد سكان المدينة والمخيم على وجود دائم لآليات الاحتلال في شوارعهم، بات عليهم الآن الاعتياد على وجود المستوطنين فوق أراضيهم. وليس هذا فقط، بل بات عليهم العيش بخوف أكبر في ظل هجمات مسعورة للمستوطنين بدأت تظهر في بعض القرى والبلدات التي أُقيمت على أراضيها مستوطنات وبؤر استيطانية.
مشاهد لم يعتد عليها أهالي جنين في شمال الضفة الغربية، ولربما الأجيال القديمة التي عاصرت الاستيطان في جنين قبل عام 2005، هي وحدها من يعلم كيف يكون شكله.
أما الآن، وبعد عودة الاستيطان شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، ومع وجود قواعد عسكرية دائمة، إحداها جاثمة على أراضي منطقة مصنفة (أ)، أي أنها تتبع إدارياً وعسكرياً وسياسياً للسلطة الفلسطينية، ومع ذلك تحولت إلى موقع عسكري يراقب جنين ومخيمها بشكل كامل.
وهذه سابقة خطيرة، أن يمعن الاحتلال بغطرسته دون وجود مسوغ قانوني يبرر من خلاله قراراته الجديدة. ولعل هذا يشكل جانباً مهماً في تغيير شكل المدينة؛ ليس جغرافياً فحسب، بل أيضاً ديموغرافياً، من خلال إعادة توزيع أهالي مخيم جنين المهجرين من مخيمهم منذ أكثر من عام ونصف، الذين اضطروا للسكن في قرى وبلدات تختلف بيئاتها عن بيئة المخيم الذي عاشوا فيه منذ أن هُجّر آباؤهم وأجدادهم من حيفا وقراها، ليصبحوا جزءاً من هذه البيئات التي لا تنادي بالعودة، لكنها حتماً تهتف للحرية.
أما من النواحي الاقتصادية والزراعية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال، بات الجنود يتحكمون بالأسواق من خلال ساعات إغلاقها وفتحها، حتى وصل بهم الحال إلى التدخل في آلية البيع للمستوطنين الجدد. فبعد أن كان جنود الاحتلال يُزوَّدون بطعامهم وعتادهم، باتوا اليوم يسمحون للمستوطنين بالشراء من المحال التجارية القريبة من مستوطناتهم، ويفرضون على التجار التعامل مع المستوطنين، وإلا سيُهدم المحل الذي رفض البيع، وربما يُسجن التاجر الذي رفض التعامل التجاري معهم.
ولعل المصيبة الأكبر التي تؤرق الفلسطيني هي هدم مصدر رزقه أو هدم منزله، وهذا المشهد لم يعد غريباً في جنين، بل أصبح مشهداً يومياً كما المشاهد التي كان يراها في جنوب الضفة الغربية. فقد هُدمت عشرات المحال التجارية، فيما شُقّت مئات الدونمات من الأراضي الزراعية لتصبح طرقاً تربط المستوطنات بعضها ببعض، إضافة إلى المنشآت الزراعية والحيوانية التي تُهدم بشكل شبه يومي في قرى وبلدات محافظة جنين.
فالمستوطنات الجديدة، والطرق العسكرية، والحواجز الدائمة، خلقت خريطة مختلفة يتحكم فيها الاحتلال بحركة الفلسطينيين، ويحدد من يستطيع الوصول إلى أرضه، ومن يستطيع التنقل بين مدينة وأخرى، الأمر الذي انعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي.
فالاقتصاد في محافظة جنين كان يعتمد تاريخياً على الزراعة والتجارة، إلى جانب الحركة التجارية مع الداخل الفلسطيني المحتل.
إلا أن التوسع الاستيطاني، وإغلاق الطرق، والسيطرة على الأراضي الخصبة، وقلع الأشجار وتجريف الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع تكاليف النقل، وإضعاف الأسواق التجارية.
فقد أسهم المشروع الاستيطاني في تغيير المشهد الديموغرافي للمحافظة. فكل مستوطنة جديدة تجذب مزيداً من المستوطنين، يقابلها تضييق متزايد على الوجود الفلسطيني، في محاولة لخلق ميزان ديموغرافي جديد يفرض وقائع يصعب تغييرها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
شمال الضفة الغربية إذاً، ولا سيما محافظة جنين، باتت تمثل أولوية في المشروع الاستيطاني. فإعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005، وتوسيع البنية التحتية، وربط المستوطنات بشبكات الطرق، كلها خطوات تعكس انتقال الاستيطان من مرحلة التوسع البطيء إلى مرحلة إعادة هندسة المكان بالكامل.
فالمشروع الاستيطاني اليوم بات يعيد صياغة الواقع الفلسطيني بأبعاده الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، في محاولة لفرض معادلة جديدة يصبح فيها الوجود الفلسطيني أكثر هشاشة، بينما تتعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض والموارد ومسارات الحياة.
بقلم - راية عروق - مقال خاص للعالم