أقل من مئة يوم تفصلنا عن الانتخابات النصفية في أمريكا وكذلك انتخابات الكنيست في الكيان الصهيوني، وستجريان في خلال أسبوع واحد، الصهيونية في الثلاثاء الأخير من شهر تشرين الأول، والأمريكية في الثلاثاء الأول من تشرين الثاني من العام الحالي، وأي تغيير في أحدهما أو كليهما سيرتب توجهات سياسية ليس على بلديهما فحسب، بل على كثير من بلدان العالم، خصوصًا في منطقتنا في غرب آسيا، أولًا لترابط ملفات المنطقة، وثانيًا لاندماجهما في معركة واحدة في الإقليم بحيث لا يظهر أي تباعد بينهما في الرؤية الكلية للأحداث الجارية من إيران إلى غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا.
يكثر الحديث في الأوساط الصحفية والسياسية عن تأجيل الانتخابات في إحداهما أو كليهما، والبعض يرى أن نتنياهو سيعمد إلى فتح جبهة عسكرية سواء مع إيران أو لبنان قبل الانتخابات للضغط من أجل تأجيلها، لكن الحقيقة أنه لم يسبق أن تأجلت انتخابات الكنيست الصهيوني في تاريخ الكيان، بالرغم من تزامنها مع حروب عديدة خاضها العدو مع الدول العربية، كما أنه للمفارقة فهذا أول كنيست منذ نشوء هذا الكيان يكمل دورته من دون إجراء انتخابات مبكرة، لذا فإن الحديث عن التأجيل يبدو غير واقعي في الكيان الصهيوني، لكن كما يقول المثل: “دائمًا هناك مرة أولى لكل شيء”، وكذلك الأمر فلم يحدث أن تأجلت انتخابات تشريعية أمريكية بالرغم من خوض أمريكا لأكثر من مئتي حرب منذ نشوئها.
في الانتخابات المقبلة، الظاهر حاجة كل منهما إلى الآخر كبيرة قبل الانتخابات كما بعدها، والجميع يعلم مدى تأثير اللوبي الصهيوني، وقوى الضغط في أمريكا على السياسة العامة، أو على الانتخابات بشكل خاص. ولسنا نتحدث هنا عن عدد الناخبين الصهاينة في أمريكا، فعددهم لا يُغير موازين القوى، لكننا نتحدث عن التأثير السياسي والاقتصادي بما يملكونه من شركات ومؤسسات تجذّرت في البنية الأمريكية، فأصبحت تلعب دورًا كبيرًا في صناعة القرار الأمريكي وفي الانتخابات.
من جهة أخرى لا يخفى التأثير الأمريكي على الساحة الصهيونية كونها الداعم الأكبر سياسيًا واقتصاديًا وماليًا وتكنولوجيًا وعسكريًا. فأمريكا هي البقرة الحلوب التي لن يبقى كيان صهيوني دون دعمها، كما أن لموقف الرئيس الأمريكي الأثر الأكبر في توجيه السياسة الخارجية والعسكرية لهذا الكيان، لأنه يملك مفاتيح المساعدات بمختلف أنواعها. هذه الحاجة مترابطة بشكل كبير بينهما، وتزداد أهميتها قبل الانتخابات.
لكن هل الأمور ذاهبة باتجاه الاستفادة المتبادلة بينهما؟
بالعودة إلى أحاديث ترامب عن سياسات نتنياهو، فقد صرّح في مناسبات عدة بأن بنيامين نتنياهو يضر بإسرائيل، ويفتقر إلى الرؤية السليمة لإدارتها، خاصة في ما يتعلق بالتعامل مع الحرب في لبنان وإدارته للصراع. كما أشار في عدد من مقابلاته وتصريحاته إلى تراجع الدعم العالمي لإسرائيل، مؤكدًا أن صورتها تضررت بشدة دوليًا وداخل الولايات المتحدة. وأضاف إن (إسرائيل) كانت ستتعرض للدمار لولا التدخل الأمريكي والحماية الشخصية لها، مُحذراً من أنها لا تستطيع محاربة العالم كله، ويجب عليها التصرف بمسؤولية. هذا عدا التقارير الأمريكية التي أشارت إلى مسؤولية نتنياهو في زج أمريكا في الحرب على إيران.
ونشير هنا إلى أن آخر زيارة لنتنياهو إلى واشنطن كانت في شباط الماضي، أي قبل بدء الحرب على إيران – وهذا يعني مرور خمسة أشهر على آخر لقاء بينهما – وبالرغم من الحديث عن تحديد مواعيد لنتنياهو لزيارة واشنطن إلا أنها لم تحصل، ويبدو من ذلك أن ترامب لا يُحبذ فكرة لقاء نتنياهو وقد يترك الأمر إلى ما قبل الانتخابات إذا وجد مصلحة له بذلك.
في المقابل كان لافتًا قول نتنياهو أن على الكيان أن يبني منظومته القتالية بعيدًا عن الدعم الأمريكي، وأن عليها أن تعتمد على نفسها. وما سرّبه أحد الصحفيين عن قول نتنياهو في جلسة خاصة من “أنه هو من يُدير السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأن ترامب يُنفذ له إرادته وما يمليه عليه”، يبدو أن ترامب قد سمعه، لذا فهو يرى أن مصلحته الشخصية ومصلحة أمريكا هي في خسارة نتنياهو لانتخابات الكنيست وإبعاده عن رئاسة الوزراء الصهيونية، وأن الإتيان بأيزنكوت أو بينت أو ليبيد سيُعيد ترتيب السياسات الأمريكية في المنطقة بشيء من المصلحة المشتركة بينهما. ويعرف ترامب أن دعم اللوبي اليهودي له في أمريكا مهم جدًا لعدم خسارته الانتخابات النصفية، ولكنه يعلم أيضًا أن هذا اللوبي يرى مصلحة الكيان قبل كل أمر آخر، وهذا اللوبي ليس حكرًا على نتنياهو ومصالحه الشخصية، لذا سيلعب ترامب في هذا الحيز الضيق، أي إبعاد اللوبي الصهيوني عن نتنياهو، والاتفاق معه على رئيس وزراء جديد في الكيان ما يكسبه تأييده، ويحقق له مبتغاه في التخلص من نتنياهو.
من جهته سيفعل نتنياهو المستحيل مع اللوبي اليهودي في أمريكا للضغط على ترامب للإبقاء على دعمه له، وهو يعرف دهاليز السياسة الأمريكية، فقد تربى بين ربوعها، وكان سفيرًا لكيانه في واشنطن لفترة طويلة، وعلاقاته بالكونغرس وأعضائه وطيدة، خصوصًا الجمهوريين منهم، لذا فمن مصلحة كيانه عدم خسارة الجمهوريين في هذه الانتخابات، وهو ما يجعل الأمر يدور بين مصلحة الكيان ومصلحته الشخصية.. فأيهما سيختار؟
الأمور متشابكة بقوة في هذه الانتخابات بين المصالح الشخصية لنتنياهو وترامب، وبين مصالح الحزب الجمهوري في البقاء في الحكم بقوة، وبين حزب الليكود الذي بهذه الطريقة سيخسر تقدمه على بقية الأحزاب الصهيونية، وسيصبح في المركز الثاني على أفضل التقديرات، وهو قد شاهد تجربة حزب العمل الذي بقي لعشرات السنين المنافس الرئيسي له، وهو اليوم يستجدي بقاءه السياسي ضمن كتلة صغيرة لا تؤثر في السياسة العامة للكيان الصهيوني. فهل هناك من يستطيع في حزب الليكود إيقاف نتنياهو والقول له كفى؟ أم أنه سيسقط الهيكل على الجميع في الكيان الصهيوني؟