وفي سياق العدوان على ايران، ذُكرت القاعدة كإحدى أهداف الرد الإيراني في عملية "الوعد الصادق 4"، وهو ما أبرز مجدداً أهميتها الاستراتيجية، إذ لا تكمن أهمية قاعدة حرير في حجمها، بل في دورها المحوري ضمن شبكة العمليات الأمريكية في غرب آسيا.
فعلى عكس قواعد أكبر حجماً كقاعدة العديد في قطر أو قاعدة الظفرة في الإمارات، تُعد حرير قاعدة عمليات أمامية مصممة لدعم العمليات الخاصة، وتحريك القوات السريع، والدعم الاستخباراتي، والحفاظ على قدرة استجابة سريعة في شمال العراق.
في السنوات الأخيرة، وبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من القواعد الكبيرة، اتجهت واشنطن نحو إنشاء شبكة من القواعد الأصغر حجماً ولكنها مترابطة، حيث تضطلع كل قاعدة بمهمة محددة.
وتُعدّ قاعدة حرير إحدى حلقات هذه الشبكة، إلى جانب مراكز أخرى مثل عين الأسد وقواعد العمليات الأمريكية الأخرى في العراق، حيث .يُسهّل الموقع الجغرافي لقاعدة حرير وصول القوات الأمريكية إلى شمال وغرب العراق، وإلى الطرق المؤدية إلى شرق سوريا، كما يسمح بنقل أسرع للقوات والمعدات والمروحيات التكتيكية إلى مناطق العمليات.لذا، تكمن القيمة العسكرية لقاعدة حرير في موقعها المحوري ضمن بنية القيادة والاستخبارات والإمداد الأمريكية في المنطقة، أكثر من كونها مرتبطة بعدد الطائرات المنتشرة أو حجمها المادي؛ فهي قاعدة تؤدي دورا مركزيا للعمليات في شبكة الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
قاعدة حرير: من مطار عسكري عراقي إلى مركز عمليات أمريكي
وكانت قاعدة حرير في الأصل بنية تحتية عسكرية عراقية أُنشئت خلال عهد حزب البعث المخلوع كجزء من توسيع شبكة القواعد الجوية العراقية. ونظرًا لموقعها في شمال العراق، وقربها من الحدود الإيرانية والتركية، وأهمية هذه المنطقة في منظومة الدفاع ببغداد، فقد استُخدمت حرير كمطار عسكري.بعد حرب الخليج الفارسي عام ١٩٩١ وفرض منطقة حظر طيران في شمال العراق، تغير دور القواعد في هذه المنطقة، ومع تشكيل بنية أمنية جديدة في منطقة كردستان العراق، مُهِّدت الأرضية لتواجد أمريكي أوسع.
وكانت نقطة التحول في تاريخ حرير هي الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣. فقد احتاجت واشنطن إلى شبكة من القواعد للحفاظ على وجودها العسكري، وأصبحت حرير أحد المراكز التي تستخدمها القوات الأمريكية نظرًا لمدرجها وموقعها الجغرافي والظروف الأمنية في منطقة كردستان. ثم تحولت مهمة قاعدة حرير من مطار عسكري تقليدي إلى قاعدة عمليات أمامية، حيث استُخدمت لنقل القوات، والدعم اللوجستي، وعمليات المروحيات، ونقل المعدات، ودعم القوات الخاصة.
وخلال فترة الحرب ضد داعش منذ عام ٢٠١٤، ازدادت أهمية حرير، ولعبت القاعدة دورًا في دعم مهام التحالف الدولي، بما في ذلك تدريب القوات، والأنشطة الاستخباراتية، والاستجابة السريعة، وبعد انحسار خطر داعش، تم الإبقاء على حرير كقاعدة دعم وردع؛ قاعدة لا تكمن قيمتها في حجمها كقاعدة جوية ضخمة، بل في موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية القائمة، وارتباطها بشبكة العمليات الأمريكية في العراق والمنطقة.
الشهادة الفنية لقاعدة حرير "القاعدة الجوية الأمريكية" في شمال العراق
أصبحت قاعدة حرير الجوية في منطقة كردستان العراق، بعد عام 2003 والتغيير في تشكيل القوات الأمريكية في العراق، إحدى قواعد العمليات الأمامية للولايات المتحدة في شمال هذا البلد. وتقع هذه القاعدة على بعد حوالي 70 كيلومتراً شمال شرق أربيل وبالقرب من بلدة حرير، ونظراً لموقعها الجغرافي تعتبر من أقرب مراكز العمليات الأميركية إلى الحدود الغربية لإيران.
حرير; نقطة اتصال في شمال العراق وشرق سوريا
وتقع حرير في منطقة مرتفعة نسبياً، وبعيدة عن المراكز المكتظة بالسكان، وتتمتع بوصول جيد إلى شبكة الطرق في منطقة كوردستان. ويوفر هذا الموقع وصولا سريعا إلى شمال العراق وسهل نينوى وكركوك والمناطق الحدودية للعراق وسوريا ومحاور الاتصال بالمنطقة، ويتيح للقوات الأمريكية نقل القوات والمعدات والدعم الجوي بشكل أسرع مقارنة بالقواعد الأبعد.
مدرج بطول ٢٦٠٠ متر؛ بنية تحتية للعمليات التكتيكية
تضم قاعدة حرير مدرجًا رئيسيًا معبدًا بالإسفلت بطول ٢٦٠٠ متر تقريبًا، شُيّد خلال عهد حزب البعث وجُدّد ورُقّي بعد عام ٢٠٠٣. هذا المدرج مناسب لاستقبال طائرات النقل التكتيكي، وطائرات العمليات الخاصة، والطائرات العسكرية متوسطة الوزن، إلى جانب المدرج الرئيس، تتيح ممرات الطائرات ومواقفها سرعة نشر الطائرات والمروحيات وتزويدها بالوقود وتجهيزها. مع ذلك، لا تُقارن قاعدة حرير من حيث القدرة المادية بالقواعد الأمريكية الكبيرة مثل قاعدة العديد في قطر أو قاعدة الظفرة في الإمارات، إذ صُممت خصيصًا للعمليات السريعة والمرنة.
المهمة الأساسية: الدعم والاستجابة السريعة
على عكس القواعد الاستراتيجية الكبيرة التي تستضيف أعدادًا كبيرة من الطائرات الثقيلة والوحدات العسكرية الواسعة، تركز المهمة الأساسية لقاعدة حرير على دعم العمليات الخاصة، ونقل القوات، والخدمات اللوجستية، ونقل المعدات، والحفاظ على قدرة الاستجابة السريعة في شمال العراق، وتُعد القاعدة جزءًا من نموذج أمريكي جديد لإنشاء شبكة من القواعد الأصغر حجمًا ولكنها مترابطة، ولكل منها دور محدد في سلسلة القيادة والاستخبارات والدعم العملياتي.
البنية التحتية الداخلية لقاعدة حرير
لا تقتصر أهمية قاعدة حرير على مدرجها فحسب، بل تشمل مجموعة من البنى التحتية للدعم والصيانة والقيادة التي تضمن استمرارية العمليات في هذه القاعدة منها ممرات التاكسي وساحات وقوف الطائرات ودورة تجهيز الطائرات.
وتُعد ممرات التاكسي مسار الاتصال بين المدرج ومناطق وقوف الطائرات وأقسام الدعم، وتزيد من سرعة استجابة القاعدة بتقليل وقت الحركة. كما تُستخدم ساحات وقوف الطائرات للتوقف والتزود بالوقود وتحميل المعدات وتجهيز الطائرات قبل المهمة.
قاعدة حرير في المواجهة الإيرانية الأمريكية
في ظل تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، يُعدّ موقع قاعدة حرير الجغرافي في شمال العراق ودورها في دعم الوجود العسكري الأمريكي من أهمّ نقاط الاهتمام. إذ يمكن لهذه القاعدة أن تؤدي دورًا محوريًا في مجالاتٍ عديدة، منها تحركات القوات، ونقل المعدات، ودعم الوحدات الخاصة، وتبادل المعلومات العملياتية.
من هذا المنطلق، لا يقتصر استهداف قاعدة أمامية كحرير على إلحاق الضرر المادي فحسب، بل يحمل أيضًا رسالة عملياتية مفادها أن شبكة قواعد الدعم الأمريكية والبنى التحتية العسكرية تُعتبر جزءًا لا يتجزأ من ساحة المعركة.
الترتيبات الدفاعية لقاعدة حرير
التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة نظرًا لطبيعة التهديدات المتغيرة في الحروب الحديثة، لم يعد حماية قواعد كحرير مقتصرًا على الأسوار وقوات الحراسة، بل بات يعتمد على بنية متعددة الطبقات تشمل هذه البنية أمن المحيط، وأنظمة الإنذار والاستطلاع، ومعدات التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ، والربط بشبكة الدفاع الإقليمية. في مواجهة التهديدات قصيرة المدى مثل الطائرات بدون طيار والصواريخ، يتم نشر أنظمة مثل C-RAM ومعدات الحرب الإلكترونية في بعض القواعد الأمريكية؛ بينما يعتمد التصدي للصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على شبكة رادار ودفاع أوسع.