التصعيد الإسرائيلي الأخير لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل رسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات. فالتوقيت الذي يسبق اجتماع روما يكشف أن تل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر فرض معادلات جديدة على الأرض، في محاولة لتحويل الإنجاز العسكري إلى ورقة ضغط سياسية، وكأنها تقول إن ما لا تمنحه المفاوضات يمكن انتزاعه بالنار.
لقد تجاوزت "إسرائيل"، في سلوكها الميداني، كل الخطوط الحمراء، وكرّست سياسة تقوم على كسر المحرمات من دون اكتراث بالقانون الدولي أو بالجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتواء التصعيد. فالقرى المدمرة، والمنازل المحترقة، والطرقات المجرفة، والمدارس والمرافق الصحية المستهدفة، ليست مجرد أضرار جانبية لحرب، بل مؤشرات على مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية وفرض واقع أمني جديد يمنع عودة الأهالي ويخلق منطقة تخضع بالكامل لمنطق القوة.
وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يواصل التزامه بالمسار التفاوضي وبمقتضيات اتفاق الإطار، ومن جهة أخرى، يواجه اعتداءات متواصلة تقوض هذا المسار وتضعف الثقة بأي ضمانات دولية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لمفاوضات أن تنجح بينما أحد أطرافها يغيّر الوقائع بالقوة قبل أن تبدأ؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم العدوان، بل في الرسائل التي يحملها. فـ"إسرائيل" لا تستهدف الجنوب وحده، بل تسعى إلى تكريس قاعدة جديدة عنوانها أن القوة العسكرية هي المرجعية الوحيدة لرسم الحدود وتحديد موازين القوى، في وقت تبدو فيه الدبلوماسية الدولية عاجزة عن ردع الانتهاكات أو إلزام الاحتلال باحترام تعهداته.
وإذا استمر هذا النهج، فإن اجتماع روما قد يتحول من محطة لإحياء المسار السياسي إلى شاهد على انهياره. فالمفاوضات لا يمكن أن تُبنى فوق ركام القرى ولا على أنقاض المنازل، والسلام لا يُفرض بالتفجيرات، بل بالعدالة واحترام السيادة والالتزام بالقانون الدولي.
ما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد تصعيد أمني، بل محاولة لكتابة مستقبل المنطقة بالنار. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا: هل ينجح المجتمع الدولي في وقف هذا المسار، أم أن "إسرائيل" ستواصل فرض وقائعها بالقوة، فيما يكتفي العالم بمراقبة تبدل الخرائط تحت دخان الانفجارات؟
* بقلم: فراس فرحات – كاتب وباحث سياسي