لبنان:

حتى لا تحترق المكرمة بنيران الفتنة

حتى لا تحترق المكرمة بنيران الفتنة
الإثنين ٣٠ ديسمبر ٢٠١٣ - ٠٣:٠١ بتوقيت غرينتش

«عاشت المملكة العربية السعودية»: هتاف أطلقه رئيس الجمهورية، واقفاً، في القصر، معلناً عن هبة ملكية بقيمة ثلاثة مليارات دولار ستصل إلى الجيش سلاحاً وذخيرة وتدريباً في فرنسا.

في اللحظة ذاتها كان الرئيس الفرنسي يتلقى أرفع وسام في المملكة تدليلاً على عمق التحالف بين المملكة التي أسّسها بالسيف الراحل عبد العزيز آل سعود وبلاد الثورة الفرنسية التي أسقطت الملكية وجعلت حكم الشعب بالشعب قاعدة السلطة في الجمهورية الوليدة لتكون الرائد والنموذج في التاريخ الحديث.

ربما كان هدف الرئيس أن ينتشل اللبنانيين من حزنهم العميق على ضحايا جريمة الاغتيال السياسي التي استهدفت الوزير السابق والخبير الاقتصادي الدولي الدكتور محمد شطح فأودت به ومعه مرافقه وستة من الشبان، عابري الطريق، بعمر الورد، والذين فاضت أحزان اللبنانيين بفقدهم حتى أحس كل مواطن أن الخسارة مسته في عائلته.
أو ربما كان هدف الرئيس أن يطمئن اللبنانيين إلى أن الكرم السعودي سيمكّن جيشنا، الذي ألقيت عليه أثقال مسلسل الاشتباكات والتفجيرات المتنقلة في مختلف أنحاء الوطن الصغير، من أن يغدو قوياً بما فيه الكفاية لتأمين لبنان ضد المخاطر التي تتهدده (والتي لم يدرج العدو الإسرائيلي في قائمتها منعاً للحرج.. وإن ذكرت بأشكال متعددة الحرب في سوريا وعليها).

ومؤكد أن الفرنسيين والسعوديين، طبعاً، يعرفون أن الإمكانات الجديدة التي ستعزز قدرات الجيش لا يمكن أن توجه ـ متى تمّ تسلّمها ـ ضد العدو الإسرائيلي.. ومؤكد أن باريس قد أبلغت تل أبيب بهذه الصفقة قبل الإعلان عنها، «فليس بين الأحباب أسرار»... وقد يساعد في الوصول إلى هذا الاستنتاج أن السعودية هي صاحبة مشروع التسوية التي أقرت ـ مع شيء من التعديل ـ في القمة العربية ببيروت في العام 2002، وبعد «عراك» مع الرئيس اللبناني آنذاك هو العماد إميل لحود.

ثم إن المملكة العربية السعودية هي الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في منطقتنا، كما أعلن الرئيس الفرنسي في الرياض.
... ولقد زادت الحرب في سوريا وعليها من حجم الشراكة الفرنسية السعودية، فالفرنسيون يستثمرون هذه الحرب في ما يتجاوز صفقات النفط إلى صفقات السلاح، وفي ما يتجاوز حدود المملكة المذهّبة ليصل إلى لبنان الذي ما يزال الفرنسيون ينظرون إليه على أنه الأقرب إلى قلوبهم من بين مستعمراتهم السابقة جميعاً... هذا إذا ما أغفلنا ما قدمته المملكة خاصة، وفرنسا ولو بحدود، إلى أشتات المعارضات السورية من مساعدات بالسلاح والذخيرة و«المتطوعين»، سواء كانوا في «القاعدة» ومنها، فهذه «أكرم» طريقة للتخلص من هؤلاء «الجهاديين» المتعجلين الوصول إلى الجنة عبر «شام الله في ملكه»..

ومع التقدير لمبادرة رئيس الجمهورية التي ربما هدفت إلى تبشيرهم بالمكرمة الملكية لعلها تخفف من جو الاحتقان الذي وجد من يطلقه ويرعاه وينميه منذ اللحظة الأولى لوقوع جريمة اغتيال الدكتور محمد شطح، إلا أن المفاجأة السعيدة التي أعلنها ممهورة بالختم الملكي السعودي والختم الرئاسي الفرنسي قد ضاعت في غياهب الخطابات المتوترة والتصريحات والهتافات الاستفزازية التي ملأت جو البلاد بمناخ ملائم لمن يسعى إلى «الفتنة» كاستثمار سياسي مؤكد في لحظة الفقد والتوتر الناجم عنه.

ومؤكد أن اللبنانيين جميعاً مع تعزيز قدرات جيشهم الذي أنهكته الخلافات السياسية التي كثيراً ما صُيّرت طائفية، عبر تحوّلها إلى اشتباكات تهز شبكة الأمان التي ينشرها الجيش الذي يكاد يغطي بعناصره وآلياته مساحة الوطن الصغير جميعاً.
ومن أسف فإن الإجماع على استنكار جريمة الاغتيال، وكذا الإجماع على دور الجيش وضرورة تعزيز قدراته، لم تفد كثيراً في التخفيف من الاحتقان، فليس سراً أن الدكتور محمد شطح كان الأقل تعصباً أو توتراً في مواقفه وفي تصريحاته، وقد حرص دائماً على إبقاء خطوطه مفتوحة مع من يعتبرهم غيره «خصوماً».. ثم إن طبيعته كانت مسالمة تؤمن بالحوار وتعتمده سلوكاً واضحاً.
وكان من السهل الاستنتاج أن جريمة الاغتيال الجديدة قد تم توقيتها لتوسيع شقة الانقسام بين الأطراف اللبنانيين المختلفين أصلاً، وحتى من قبل تباين المواقف من سوريا والحرب فيها وعليها... وذلك ما تبدّى جلياً في الخطابات والكتابات التي تجاوزت رثاء الوزير شطح إلى تشديد الحصار على «حزب السلاح» ودوره «السوري» الآن، فضلاً عن إسقاط الشعار ـ التسوية الذي لازم تشكيل الحكومات السابقة، في حقبة ما بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006، والذي يجمع بين «الجيش والشعب والمقاومة» في مواجهة علنية لبعض القرارات الدولية التي حاولت تجريم المقاومة وإلقاء الحُرم السياسي عليها حتى لا يكون لها من يمثلها في أية حكومة مقبلة.

ولعل هذا السخاء السعودي، وبهذا التوقيت، يخدم هذا التوجه المعلن.
وثمة ظاهرة لا يمكن التغاضي عنها: فمع كل اغتيال سياسي يتبدّى لبنان بحجمه الدولي المضخم، وتختفي صورة «الوطن الصغير» في ثنايا الاتصالات الدولية التي تتخذ من لبنان «ممراً ومقراً»... فبعد دقائق قليلة من وقوع الجريمة تستيقظ العواصم النائمة، مع فارق التوقيت، ويتحرك السفراء والقناصل والملحقون بأسرع من ذوي الفقيد، ويحددون قبلهم «المستفيد من الجريمة» ليمكن توظيف الاتهام في اللعبة السياسية الداخلية التي كثيراً ما لامست تخوم الفتنة.
وبالتأكيد فإن اغتيال الدكتور محمد شطح وأمثاله يصب الماء في طاحونة من يريدون توظيف الفتنة في استثمارهم السياسي بينما يلزم خصومهم بموقف الدفاع عن براءتهم التي تصبح بحاجة إلى دليل قاطع.
لكن لبنان الذي احترق شعبه مراراً بنيران مشاريع الفتنة التي التهمت دولته، بمكانتها الاستثنائية، وحماياتها متعددة الراية، سيظل مرة أخرى، أقوى من المشاريع التي تهدف إلى ضرب الجيش بالمقاومة.

 

*طلال سلمان - صحيفة السفير