الفئران والمتعة الحرام !

الفئران والمتعة الحرام !
السبت ٠٨ أبريل ٢٠١٧ - ٠٥:٣٨ بتوقيت غرينتش

في التجربة الشهيرة، وضع الباحثان بيتر ميلنر وجيمس أولد مجسّاً صغيراً في مخ فأر(بالنواة المتكئة the nucleus accumbens في الجهاز الحوفي the limbic system)، هذا الجزء يمثل مركز السعادة في أمخاخ كل الكائنات الحية (هو المنظم لمعدل إفراز الدوبامين في المخ. والدوبامين هو ذلك الناقل العصبي الذي يُشعرنا بالسعادة والمكافآة عندما نقوم بإنجاز أو عمل ما).

أولاً: "النواة المتكئة" هو الجزء الذي ينشط ويضيء عندما تحصل على الماجستير أو الدكتوراه، يتألق عندما تلمس أصابع حبيبتك ويتوهج عندما تقبِّلها أو تضمها إليك، ويتراقص عندما تضع لك وليدك الأول، أيضاً هو ذاك الذي ينشط عندما يفوز المقامر برهانه، وعندما يحصل المدمن على جرعته من الكوكايين أو عندما يُوقع الصياد بفريسته، وعندما يقتل المجرم ضحيته، وعندما يحصل النصاب على بغيته.

ربط الباحثان المجسَّ برافعة تطلق شحنة كهربية مباشرة إلى مركز السعادة كلما جذبها الفأر (يمكنك أن تقول شحنة من السعادة في مخ وجسد الفأر).

هل تعتقد أن الفأر أحبَّ شدَّ الرافعة؟ نعم، بجنون للدرجة التي نسي فيها الفأر الرغبة في الطعام والشراب أو النوم؛ بل حتى الرغبة في الجنس! استمر الفار في شد الرافعة مرات ومرات حتى مات من الجوع والإرهاق.


"النواة المتكئة" (the nucleus accumbens) مركز عصبي بقاع المخ في قلب ما يسمى الجهاز الحوفي (the limbic system)، ولمن لا يعرف الجهاز الحوفي، فهو يعتبر من الأجهزة الأولية في مخ الإنسان وكل الكائنات الحية وقد سبقت نشأته كل الأجهزة الأخرى في النشوء والتطور البيولوجي وحتى في نمو مخ الطفل، حيث يولد الطفل وهذا الجهاز مكتمل النمو عكس المادة البيضاء والقشرة المخية التي يكتمل نموها في العام الأول بعد الولادة والأعوام التي تليها.

ولكن، ما مدى أهمية هذا الجهاز للكائن الحي حتى تحرص الطبيعة على اكتماله قبل الولادة؟!

ثانياً: الجهاز الحوفي يختص بـ3 مفاتيح وظيفية مهمة: العواطف (الخوف/ الحب/ الكراهية... إلخ)، والذاكرة (الأماكن والأشخاص والأحداث)، والإثارة (اليقظة/ الرغبة/ الجنس/ المتعة). بمعنى بيولوجي آخر: البقاء على قيد الحياة، التكيف، المتعة، والجنس، والتناسل.

يتشكل هذا الحوفي من عدة أجزاء تتوطن -كما ذكرنا- في جذع المخ والمخيخ، ويقوم بالربط ما بين أجزاء المخ العليا والسفلى، وبين الوظائف الأدنى والأعلى.

أول مكونات هذا الجهاز، هو منطقة المهاد (the thalamus) التي تمثل نقطة ارتكاز مهمة في خط المعلومات الرئيسى بين الحواس (مثل: الرؤية والشم) والقشرة المخية؛ أي بين وسائل المعلومات ومراكز اتخاذ القرار.

يستقر أسفل المهاد منطقة أخرى تسمى (تحت المهاد) أو الغدة النخامية تبعاً لترجمة جوجل، أو (the hypothalamus) تبعاً لكتب التشريح، تنتج وتتحكم تلك المنطقة في إفراز الكثير من الهرمونات؛ مثل تلك التي تنظم مستوى المياه في الجسم، والتي تتحكم في دورة النوم ودرجة حرارة الجسم وتناول الطعام.

ثالثاً: اللوزة (the amygdala) وهي -كما يبدو من اسمها- عبارة عن تجمّع خلايا عصبية على شكل لوزة، وهي مسؤولة عن تجهيز الجسم للمواقف الطارئة المروعة التي تتهدد فيها حياة الكائن. كما أنها مسؤولة عن الذاكرة، وخصوصاً المصحوبة بمشاعر قوية وذاكرة المواقف الطارئة.

اللوزة هي المتحكم والمحفز الرئيسي في شعور الخوف والإحساس بالهلع. كما أنها تلعب دوراً رئيساً في الشعور بالمتعة والجنس، ويتباين حجمها تبعاً لسن الشخص ونشاطه الجنسي.

رابعاً: قرن آمون أو حصان البحر (the hippocampus)، دوره الرئيس هو تحويل الذاكرة المؤقتة إلى ذاكرة مستديمة مع اللوزة، وفي حال تعطله يسبب فقدان الذاكرة أو النسيان.

أخيراً: النواة القاعدية (the basal ganglia)، وهي مسؤولة عن التوافق الحركي والوضعي والأعمال الأوتوماتيكية؛ مثل المشي (توافق حركة القدمين مع اليدين)، وتناول الطعام، وقيادة السيارة للمحترفين، وكل الأعمال المتكررة في حياتنا.

إن نصف ما نقوم به في حياتنا هو من أجل البحث عن النشوة والسعادة؛ من الدراسة والعمل؛ الماجستير والدكتوراه؛ الزواج والأولاد؛ المال والأعمال؛ السلطة والشهرة؛ الزعامة والقيادة؛ القراءة والكتابة؛ المظهر الخارجي، والسيارة التي نملكها؛ البيت الذي نسكن فيه؛ حتى قراءة الجرائد اليومية؛ تصفح الفيسبوك والتعليق على بوستات الأصدقاء، من أصغر فعل نقوم به إلى أكبر إنجاز هو من أجل أن تفرز تلك النواة المتكئة في الجهاز الحوفي القليل من الدوبامين في مجرى الدم فينا؛ أي من أجل الشعور بالسعادة.

حتى الأفعال اللاأخلاقية والإجرامية: النصب والاحتيال؛ السخرية والتكبر؛ الخيانة والمكر؛ المخدرات والإدمان؛ كل الأفعال المحرمة دينياً نقترفها؛ لنرضي تلك المتكئة في أمخاخنا؛ من أجل المتعة والسعادة.

الخلاصة في كبسولتين:
ترى، ماذا لو فعلنا كما فعل الباحثان مع الفأر وصببنا السعادة مباشرة إلى أمخاخ البشر؛ هل يختفي الشر وينتشر الجمال؟

علينا أن ندرك ما حدث للفأر عندما استسلم للسعادة اللانهائية والمتعة السهلة والنشوة الهائلة، ليفقد في النهاية حريته وحياته.

علينا ألا نفرط في السعي خلف المتعة والسعادة من مال وأعمال؛ وزعامة وقيادة؛ وسطوة وقوة؛ وشهرة ولمعان؛ لأنها سلاح ذو حدين، يشعرك بالنشوة في البداية؛ ليقتلك في النهاية.


المصدر: هافينغتون بوست

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة